في ظل الأوضاع الإنسانية والصحية المتفاقمة في قطاع غزة، ومع استمرار الدعوات الدولية لفتح المعابر وإدخال المساعدات، تتزايد التحذيرات من احتمالية استئناف إسرائيل للحرب على القطاع الذي عانى من دمار واسع على مدى عامين. وتشير التقارير إلى أن المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) سيناقش إمكانية الدخول في جولة جديدة من التصعيد العسكري، وذلك رغم استمرار التجاوزات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار.

تشير التطورات الأخيرة إلى أن إسرائيل تعود للتلويح بخيار الحرب على غزة، حيث من المقرر أن يبحث “الكابينت” مساء اليوم الأحد إمكانية استئناف العمليات العسكرية. هذه التطورات تأتي على الرغم من مرور أكثر من شهرين على سريان اتفاق وقف إطلاق النار، الذي شهد خروقات متكررة من الجانب الإسرائيلي.

“مهمة لم تكتمل”

يُشير مسؤولون إسرائيليون بارزون في هيئة الأركان إلى أن “المهمة في غزة لم تكتمل”، وأن هناك حاجة للعودة واستهداف حركة حماس بسبب رفضها المستمر لنزع سلاحها. وتتحدث تقارير عن استعدادات إسرائيلية لاستئناف القتال، في وقت يرى فيه مسؤولون آخرون ضرورة تأجيل أي عمليات برية إضافية لتخفيف العبء على قوات الاحتياط.

وقد ألقت الصحافة الإسرائيلية الضوء على خطوتين رئيسيتين اتخذهما الجيش الإسرائيلي مؤخراً في قطاع غزة. شملت هاتان الخطوتان زيادة وتيرة الغارات واستهداف المسلحين على نطاق أوسع منذ بدء وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على الأراضي في القطاع.

وفقاً للتقارير، كانت إسرائيل تسيطر على حوالي 53% من مساحة القطاع، إلا أنها الآن تسيطر على ما يقرب من 59% بعد دفع خطوط السيطرة تدريجياً نحو الغرب. ولا تزال التساؤلات تحوم حول قدرة الجيش على تنفيذ عمليات برية واسعة دون الحاجة إلى تعبئة إضافية لقوات الاحتياط، وما قد يترتب على ذلك من زيادة في العبء على الجنود.

جولة شبه حتمية

تتجه الأنظار نحو احتمالية “جولة قتال إضافية مع حماس”، إذ يرى مسؤولون في هيئة الأركان أن رفض الحركة لتفكيك ترسانتها العسكرية يجعل هذه الجولة “شبه حتمية”. ويتزامن هذا مع دعوات سياسية إسرائيلية، مثل دعوة وزيرة الاستيطان أوريت ستروك، لاستئناف العمليات العسكرية في غزة إذا لم يتم نزع سلاح حماس.

في هذا السياق، حذر محللون عسكريون إسرائيليون من مساعٍ حكومية لشن هجوم جديد على القطاع، مع ترقب بعض المسؤولين لقيام حماس “بخطأ فادح” بإطلاق صواريخ على إسرائيل. وتشير التحليلات إلى أن هذه التسريبات والتصريحات ليست محض صدفة، بل هي جزء من استعدادات الحكومة لهجوم جديد، وقد تكون مدفوعة بالرغبة في إبقاء جذوة الحرب مشتعلة على جبهات أخرى قبيل الانتخابات.

ساحة تعويضية لنتنياهو وفرصة للتهجير

يرى خبراء في الشأن الإسرائيلي أن غزة أصبحت “ساحة تعويضية” لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، حيث يلجأ إلى تصعيد العمليات العسكرية في القطاع لإرضاء شركائه في اليمين المتطرف ولردم الفجوة مع الرأي العام الداخلي، خاصة عندما تستعصي عليه إمكانية تحقيق نصر في جبهات أخرى كإيران ولبنان.

وتشير استطلاعات الرأي الإسرائيلية إلى وجود رغبة لدى شرائح واسعة في المجتمع الإسرائيلي بالعودة إلى القتال، وهو ما يُعرف بـ”حسم الملف الفلسطيني”. كما تشير التقارير إلى أن أكثر من 80% من الإسرائيليين يفضلون تهجير السكان من قطاع غزة، وهو ما يُنظر إليه كـ”فرصة تاريخية” للدفع نحو هذا الهدف، خاصة مع عمليات التدمير الممنهج الجارية.

“الخط البرتقالي”.. واقع ميداني جديد

تزامنًا مع مرور 200 يوم على اتفاق وقف إطلاق النار، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع ميداني متغير في غزة. فبالإضافة إلى الأوضاع الإنسانية الكارثية، وسّعت إسرائيل نطاق سيطرتها الجغرافية داخل القطاع.

لم تكتفِ إسرائيل بالسيطرة على 53% من مساحة قطاع غزة عبر ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، بل واصلت توسيع سيطرتها بإضافة ما يُسمى بـ”الخط البرتقالي”. هذا التوسع الجديد، الذي دفع خطوط السيطرة مسافة 8-9% داخل القطاع، رفع إجمالي المساحة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي إلى أكثر من 60%.

وقد أدى هذا الزحف الإسرائيلي إلى نزوح عشرات العائلات الفلسطينية، صاحبه غارات جوية ومدفعية أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، بذريعة “اجتياز الخط الأصفر أو الاقتراب منه”. وأكدت الأمم المتحدة عبر تقاريرها وجود “خط برتقالي” جديد تم إنشاؤه داخل “الخط الأصفر” داخل قطاع غزة.

مساعٍ لإفشال الاتفاق

من جهتها، حملت حركة حماس إسرائيل مسؤولية الخروقات اليومية، ووصفت سياسات التجويع وإغلاق معبر رفح وتحريك “الخط الأصفر” بأنها دليل على تنكّر حكومة نتنياهو لجهود الوسطاء وسعيها لإفشال الاتفاق.

وأكدت الحركة أن إسرائيل تسعى لفرض واقع جغرافي وأمني وسكاني جديد يتعارض مع روح الاتفاق، مما يقوّض فرص الاستقرار وعودة السكان. وتصطدم المباحثات الجارية في القاهرة، برعاية أمريكية، باشتراط إسرائيلي لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية قبل الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق، بينما ترى حماس أن على إسرائيل الالتزام باستحقاقات المرحلة الأولى أولاً.

ما هي الخطوات التالية؟

تتزايد المخاوف من استئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة، خاصة مع اقتراب الموعد الذي حددته بعض الجهات الإسرائيلية للعودة إلى “مهمة لم تكتمل”. وتشير التطورات إلى أن الأيام والأسابيع القادمة قد تشهد مزيداً من التصعيد، في ظل غياب تقدم ملموس في جهود التوصل إلى تفاهمات سياسية تنهي الأزمة الإنسانية وتضع حداً للعدوان.

شاركها.
Exit mobile version