لم تنتهِ التعقيدات التي أحاطت بملف العلاقات اللبنانية السورية، مع انسحاب قوات نظام الأسد من لبنان في أبريل/ نيسان 2005، بل لعّها تصاعدت وتعاظمت، ليزداد الجدل حولها، على وقع المتغيّرات الكبرى التي شهدها البلدان ما بعد العام 2005.
فقد اعتقد اللبنانيون بعد خروج قوات الأسد أنّ الكابوس السوري انتهى إلى غير رجعة، وأنّ أمامهم فرصة حقيقية للانتهاء من رواسب الاحتلال الذي استمر أكثر من ثلاثين عامًا وأفضى بالويلات على البلد وناسه. لكنهم سرعان ما أدركوا أنّ فكّ الارتباط عسكريًا بنظام الأسد لن يقابله فكّ الارتباط السياسي، خصوصًا بعد وقوف حلفاء هذا النظام سدًا منيعًا أمام أي محاولة لتحييد سوريا عن لبنان.
وبعد جزء أول حول العلاقات اللبنانية السورية، ركّز على مرحلة الهيمنة المباشرة التي مارسها نظام الأسد تحت عنوان الوصاية، أو الاحتلال، يتناول هذا الجزء بالتفصيل، مرحلة ما بعد الانسحاب، ويتوقف عند محطتين مفصليتين، بين اندلاع الثورة السورية، وانخراط حزب الله إلى جانب نظام الأسد في الحرب، وصولاً إلى سقوط النظام الأخير، والانعكاسات المحتملة على الواقع الداخلي.
لبنان ما بعد الانسحاب السوري.. انقسام وشرخ
في 8 مارس/ آذار 2005، خرج الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله بخطابٍ شكر فيه “سوريا الأسد”، معلنًا بداية انقسام جديد في تاريخ لبنان، بين فريق 8 مارس الموالي للنظام السوري وإيران، وفريق 14 مارس المعارض له والمدعوم من المملكة العربية السعودية والغرب.
وعليه، سعى الأسد لاستغلال هذا الشرخ لعرقلة أي تسوية في لبنان تهدد مصالحه، مستعينًا بحزب الله وحركة أمل اللذين أعلنا جهارًا وقوفهما إلى جانبه وأمّنا بالتالي الغطاء لنظامه للاستمرار في التدّخل في شؤون لبنان، في مقابل حماية سلاح حزب الله من خلال تأمين خط الإمدادات بينه وبين إيران عبر الداخل السوري.
ونتج عن ذلك إحباط أي أمل بالتغيير بعد انتفاضة 14 مارس، “وكأن عهد الوصاية لم ينتهِ، وكأن بيروت لم تمتلئ بمليون ومئتي ألف متظاهر في 14 آذار، وكأن شيئًا لم يكن[1]”، على حدّ قول الكاتب سمير قصير في مقالةٍ له في جريدة “النهار”.
وقد ساهم ذلك في تعطيل الحكومات مرارًا بالإضافة إلى تعميق الشرخ بين اللبنانيين، ولا سيما بعد أحداث 7 مايو، في ظلّ استمرار التجاذبات الإقليمية والدولية على الساحة اللبنانية وانصياع الموالاة والمعارضة لضغوطات حلفائهما، بالإضافة إلى سلسلة الاغتيالات بين 2005 و2007 والتي اتُهِم النظام السوري وحزب الله بالوقوف خلفها.
اعتقد اللبنانيون بعد خروج قوات الأسد أنّ الكابوس السوري انتهى إلى غير رجعة – غيتي
إحباط “ثورة الأرز”
هكذا، يمكن القول إنّه تمّ امتصاص الفورة التي خلّفها اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وانتفاضة 14 مارس، وبالتالي “إحباط” إمكانية تحييد لبنان عن التدخل السوري. فبحسب ما يقول قصير، “فقدت المعارضة الزخم الشعبي أو بالأحرى تخلّت عنه، لأسباب تعددت بين تغيير الأولويات هنا، والعجز عن إنتاج قيادة منصهرة وجماهيرية هناك، ما أعاد لبقايا الأجهزة ودوائر القصر الجمهوري ورئيس المجلس القدرة على التعطيل والتخريب[2]”.
وسرعان ما بدأ الحزب بنسج تحالفات خارج ما يُعرف بـ”الثنائي الشيعي” (تحالف حزب الله- حركة أمل). خاض الانتخابات النيابية في يونيو 2005 إلى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل في ما عُرِف آنذاك بـ”التحالف الرباعي”، ما سمح بوصول كتلة وازنة مؤيدة لسوريا إلى المجلس النيابي. وشارك، ولأول مرة في تاريخه، في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة (2005-2008).
اعتقد اللبنانيون بعد خروج قوات الأسد أنّ أمامهم فرصة حقيقية للانتهاء من رواسب الاحتلال الذي استمر أكثر من ثلاثين عامًا وأفضى بالويلات على البلد وناسه. لكنهم سرعان ما أدركوا أنّ فكّ الارتباط عسكريًا بنظام الأسد لن يقابله فكّ الارتباط السياسي.
ثمّ وقّع “تفاهم مار مخايل” مع التيار الوطني الحر، المقصي عن الحكومة، في فبراير/ شباط 2006، في خطوة مفاجئة، باعتبار أنّ عون كان من أبرز معارضي الحزب ويلقّب نفسه بـ”عرّاب 1559″. وقد أمّن هذا التحالف الغطاء المسيحي لحزب الله في حرب يوليو/ تموز 2006 ضد إسرائيل، ومن ثمّ استقالته من حكومة السنيورة واعتصامه لمدة سنتين تقريبًا في وسط بيروت لإسقاطها.
أحداث 7 مايو
اعتبر حزب الله أنّ ما جرى خلال تلك الفترة من محاولات لتهميشه يهدف بدرجة أولى إلى نزع سلاحه وإسقاط نظام الأسد، وهو ما دفعه، حسب روايته، إلى توجيه سلاحه إلى الداخل في 7 مايو/ أيار 2008، بعد قرار حكومة السنيورة تفكيك شبكة الاتصالات الخاصة به. استخدم الحزب سلاحه في الداخل بعد أن كان قد أكّد مرارًا بأنه موجّه ضد العدو الإسرائيلي فقط.
وأدّت أحداث مايو إلى تثبيت سيطرة الحزب على الأرض وسحب الحديث عن نزع سلاحه من التداول، وإلى تعميق الهوّة بين الطائفتين السنية والشيعية، الأمر الذي ستكرّسه لاحقًا الحرب في سوريا، وإلى توقيع “اتفاق الدوحة” في 21 مايو، وانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية (2008-2014) وتكريس سيطرة حزب الله وحلفائه على الدولة.
وعليه، دعا الأسد سليمان لزيارة دمشق في أغسطس/ آب 2008 لبحث مستقبل العلاقة بين البلدين واتفقا على “إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، وترسيم الحدود، وضبط التهريب، وتفعيل أعمال اللجنة المشتركة المتعلقة بالمفقودين والمعتقلين”، وهي مسائل، باستثناء إنشاء السفارات، ما زالت عالقة بين البلدين حتى اليوم.
أدّت أحداث مايو إلى تثبيت سيطرة الحزب على الأرض وسحب الحديث عن نزع سلاحه من التداول – غيتي
سعد الحريري في دمشق
وتكرّست سرعة انتقال العلاقات السورية-اللبنانية “من الهيمنة العسكرية إلى التعاون المدني[3]” في زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري (2009-2011) إلى دمشق في ديسمبر 2009، حيث دعا إلى بناء العلاقة مع سوريا “بهدوء وبكل صراحة وجدية”. واعترف الحريري لاحقًا بأنّ “ضغطًا عربيًا ودوليًا” مورس عليه للصلح مع سوريا بما يناسب مصالح الغرب والعرب مع نظام الأسد.
لكنّ هذه الضغوط لم تكن السبب الوحيد وراء زيارة الحريري، إذ كانت التبادلات التجارية بين البلدين قد شهدت انخفاضًا مؤقتًا بعد اغتيال الحريري ثم خلال حرب 2006، ما أثر سلبًا على الاقتصاد اللبناني، لكنها عادت لتسجل ارتفاعًا منتظمًا بعد 2009[4].
لم يَدُم شهر العسل طويلًا، خاصة مع بدء عمل المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري. ففي 12 يناير 2011، أعلن وزراء حركة أمل وحزب الله والتيار الوطني الحر استقالتهم من الحكومة احتجاجًا على ما أسموه “شهود الزور” في التحقيق، ما أسفر عن فقدان الحكومة لنصابها الدستوري.
وفي ظلّ هذا الشلل الجديد، اندلعت الثورة السورية في مارس 2011 بعد أن كانت الثورات في تونس (2010-2011) ومصر (يناير 2011) نجحت في إسقاط نظامي الرئيسين زين العابدين بن علي وحسني مبارك.
الثورة السورية.. حزب الله ينقذ نظام الأسد
أدّت الثورة في سوريا التي حوّلها النظام إلى حرب دموية عنيفة، إلى إحداث تغييرات وإبراز تعقيدات جديدة في العلاقات اللبنانية السورية، لعلّ أبرزها انقلاب المعادلات إذ أصبح، ولأول مرة في تاريخ البلدين، للاعب لبناني هو حزب الله اليد العليا في العلاقة مع النظام السوري. لكنّ هذا الواقع الجديد لم ينعكس إيجابًا على لبنان بل عمّق من مشاكله الداخلية وانقساماته الطائفية، في حين نجح في إنقاذ نظام الأسد من السقوط.
فقد رأى حزب الله أنّ الثورة تشكّل خطرًا وجوديًا على سلاحه وعلى خطوط إمداده به من جهة، وعلى نظام حليفه الإقليمي المحوري ونفوذ النظام الإيراني الآخذ في التمدد في العراق واليمن وسوريا ولبنان بهدف تطويق إسرائيل من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق، قرر الحزب التدخل في سوريا بعد أن اعتبر في العلن أنّ الثورة السورية مؤامرة من الغرب ودول الخليج هدفها كسر “محور المقاومة”، وسط اتهامات للبنان من قبل الأسد بأنه يشكل قاعدة خلفية لـ”الإرهابيين” الذين “يهاجمون نظامه بتعليمات من الغربيين وحلفائهم الأتراك والعرب[5]”.
اعترف سعد الحريري بأنّ “ضغطًا عربيًا ودوليًا” مورس عليه للصلح مع سوريا بما يناسب مصالح الغرب والعرب مع نظام الأسد – غيتي
انخراط حزب الله في الحرب السورية
من عملية محدودة على الحدود اللبنانية-السورية واستشارات عسكرية للجيش السوري، انخرط حزب الله بشكٍل كامٍل في الحرب السورية، حيث كرّس نفسه محاربًا أساسيًا في حروب المنطقة من سوريا إلى اليمن والعراق.
مُنِيَ الحزب بخسائر بشرية ومادية هائلة في سوريا، ظهرت كلفتها جليًّا في حرب 2024 ضد إسرائيل، التي استغلت انكشاف الحزب في سوريا لاغتيال قادته[6] وجمع الاستخبارات حوله تحضيرًا لحربها المقبلة ضد لبنان. لكنه في الوقت نفسه، ساهم في استعادة النظام السوري السيطرة على مدنٍ كان قد خسرها، وفي قلب المعادلات على الأرض في وجه الجيش السوري الحرّ والفصائل المسلّحة.
وشكّلت معركة القصير في أبريل/ نيسان 2013 ويبرود في فبراير/ شباط 2014 وحلب في 2016 نقاط تحوّل في مجريات الحرب، وبرز مقاتلو حزب الله أمام تضعضع قوات النظام وعملوا بشكل وثيق إلى جانب روسيا وإيران لاستعادة السيطرة على الأرض.
أدّت الثورة في سوريا إلى إحداث تغييرات وإبراز تعقيدات جديدة في العلاقات اللبنانية السورية، لعلّ أبرزها انقلاب المعادلات إذ أصبح، ولأول مرة في تاريخ البلدين، للاعب لبناني هو حزب الله اليد العليا في العلاقة مع النظام السوري.
كرّست الحرب السورية حزب الله كقوة إقليمية، لكنه في المقابل خسر جزءًا غير يسير من دعم وتأييد الرأي العام، خصوصًا بعد معركة القصير وحصار مضايا والزبداني عام 2015. ومنذ ذلك الحين، “أصبح مصير نظام الأسد مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمصير حزب الله، وأصبح التوازن السياسي في لبنان متشابكًا بشكل حاسم مع سوريا[7]”.
وأمام ذلك، حاولت قيادة الحزب تبرير تدخلها في سوريا لمناصريها، بغية إقناعهم بجدوى دعمها لنظام ارتكب أشنع الجرائم في حق اللبنانيين والسوريين، مذكرًة بوقوف بشار الأسد إلى جانب الحزب، لاسيما في حرب 2006. كما قالت إنها تسعى إلى منع سيطرة السلفيين على سوريا وبالتالي تعريض الداخل اللبناني إلى خطر الهجمات الانتحارية وإلى تمدد التيارات الإسلامية المتشددة[8].
تبعات “ثقيلة” على لبنان
أدّى تدخل “حزب الله” في الحرب السورية إلى جانب النظام، إلى توريط لبنان بشكل غير مسبوق في تبعات الجحيم السوري. فقد تصاعد التوتر والعنف الطائفي بين السنة والشيعة، وازداد تدفق اللاجئين، خصوصًا في المناطق الحدودية، وظهرت مجموعات سلفية محلية، وتزايدت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية على النظام الللبناني المنهك أصلًا.
وأدّى ذلك إلى نتيجتين على الصعيد السياسي: الأولى، كانت في ظهور نخبة سياسية متشددة داخل الطائفة السنية مثل السلفي أحمد الأسير، ما أفضى إلى انقسامات في القيادة السنية في ظلّ اتهامات لسعد الحريري بالخضوع لحزب الله[9]. أما الثانية، فكانت وقوع فراغ رئاسي غير مسبوق بعد نهاية عهد الرئيس ميشال سليمان عام 2014. فقد علّق احتدام الصراع بين السنة والشيعة في لبنان وخلفهما رعاتهما الإقليميون الحياة السياسية في لبنان في انتظار جلاء نتائج الحرب السورية.
وفي مخالفة فاضحة للدستور، تمّ التمديد لمجلس النواب وتأجيل الانتخابات النيابية ثلاث مرات في 2013 و2014 و2017 بسبب الانقسام حول سوريا وبحجة التخوّف من تصاعد الاقتتال في البلد والعجز عن الاتفاق على قانون انتخابي جديد. ورغم جميع المحاولات لكسر الجمود، بقي الفريقان متمسّكَيْن بمواقفهما إلى حين تبدّل واقع المعركة لصالح حزب الله ونظام الأسد وإيران، ما أسفر عن انتخاب ميشال عون رئيسًا في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2016 بعد انتظار دام عامين ونصف وتسمية سعد الحريري رئيسًا للحكومة (2016-2019) في إشارة واضحة لرضوخ الأخير لموازين القوى مرة أخرى.
أدّى تدخل “حزب الله” في الحرب السورية إلى جانب النظام، إلى توريط لبنان بشكل غير مسبوق في تبعات الجحيم السوري – غيتي
الوضع الأمني.. وقضية ميشال سماحة
على الصعيد الأمني، انخرطت جماعات سنية متشددة من طرابلس وعكار ووادي البقاع الشرقي في الصراع في سوريا، فأضحت تلك المناطق ملجأ للمقاتلين السوريين ومراكز تجنيد وطرق إمداد عسكرية لهم[10]. إلى جانب ذلك، ارتد الانقسام الطائفي الذي أنتجته الحرب السورية إلى لبنان، وكانت إحدى نتائجه المعارك بين منطقة باب التبانة السنية وجبل محسن العلوي في طرابلس عامي 2012 و2013 وبين الجيش اللبناني ومناصري أحمد الأسير في صيدا في يونيو 2013.
وبالتوازي مع ذلك، تجددت الاغتيالات[11] ضد معارضي سوريا والحزب، فيما تعرّضت المناطق الموالية للحزب ومقرّات البعثات الإيرانية في بيروت إلى عمليات انتحارية أسفرت عن عشرات الضحايا والجرحى. وإلى جانب ذلك، تمّ الحكم بالسجن مدة 13 عامًا على الوزير الأسبق ميشال سماحة بتهمة نقله متفجرات من سوريا “لتنفيذ اغتيالات وتفجيرات على الحدود لإقفالها نهائيا وبالتالي وقف عبور المقاتلين المعارضين للنظام السوري”.
اللاجئون السوريون في لبنان
أما على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، فتعتبر الباحثة في العلوم السياسية إليزابيث بيكارد أن لبنان يشكّل “مثالاً لبلد يستفيد من الحرب في الوقت نفسه الذي يرزح فيه تحت عبئها[12]”. فبحلول عام 2014، أصبح عدد اللاجئين السوريين المقيمين في لبنان بين ربع وثلث عدد سكانه وقد امتنعت السلطات اللبنانية عن تسجيلهم، بحجة خشيتها من توطينهم.
وفي حين تعاونت مع منظمات الأمم المتحدة لتأمين التعليم والرعاية الصحية لهؤلاء، رفضت حكومة الرئيس تمام سلام (2014-2016) اعتماد سياسة لجوء رسمية، وتوقفت عن تسجيل اللاجئين في محاولة لوقف دخولهم، ما سمح بدخول عشرات آلاف السوريين بطريقة غير شرعية إلى لبنان.
كما قررت الحكومة في العام نفسه وضع إجراءات على العمال السوريين، وفرضت عليهم الحصول على تأشيرة دخول والخضوع لنظام الكفالة، أي الاستعانة بكفيل لبناني، لكي يتمكنوا من العمل في ثلاث حقول فقط، الزراعة، البناء والنظافة.
إلا أنّ الضغط على البنى التحتية وفوضى وجود اللاجئين والخلافات حولها التي في الكثير من الأحيان انتهت بحملات قمع عنصرية، قابلها ارتفاع في الإنتاج الزراعي بعدما كان السوق اللبناني يشهد منافسة بسبب الواردات من الأردن وسوريا. وتضاعفت الصادرات من لبنان إلى سوريا ونقل المئات من أصحاب العمل أنشطتهم إلى لبنان، ومعها ودائعهم المصرفية، فساهموا بتحفيز الإنتاج اللبناني وإنعاش سوق العقارات الذي كان يعاني من ركود مزمن.
واستعادت طريق بيروت-الشام أهميتها إلا أنها في المقابل أصبحت ممرًا للتهريب الناتج عن اقتصاد الحرب. وأخيرًا، أصبحت المساعدات الإنسانية الموجهة للاجئين صناعة تدر أرباحًا أكثر لأولئك الذين يديرونها مقارنة بالمستفيدين منها. ففي عام 2013 وحده، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للفرد 10,000 دولار[13].
تمّ الحكم بالسجن مدة 13 عامًا على الوزير الأسبق ميشال سماحة بتهمة نقله متفجرات من سوريا – غيتي
سقوط نظام الأسد.. مرحلة جديدة من العلاقات
تمكّن حزب الله من إنقاذ نظام الأسد وأمّن على خط إمداده الأساسي وأحكم سيطرة إيران على المنطقة، وسيطرته على الداخل اللبناني، ما خلق صراعات جديدة بين الأحزاب اللبنانية، أفضت إلى شلل جديد في السلطة التنفيذية، وإلى أزمات لم يعرف البلد مثيلًا لها، لكن هذه المرة من دون أي تدخّل من النظام السوري المحتضر والمنشغل بشؤونه وحروبه.
لكنّ صمود النظام بدعم حزب الله، لم يدم طويلاً، إذ إنّ التغيّرات الهائلة التي شهدتها المنطقة منذ عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 وحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة ومن ثمّ على لبنان في 2024، أدّت إلى سقوطه خلال 12 يومًا.
وفي حين كان حزب الله يلملم نفسه بعد الحرب العنيفة التي شنتها إسرائيل عليه والضربات المتتالية التي تلقاها بين جريمة “البيجرز” في 17 سبتمبر/ أيلول 2024 واغتيال أمينه العام بعد عشرة أيام، جاءت الضربة “القاضية” على نظام الأسد خلال فترة قياسية.
لكن كما لم يتوقع أحد نتيجة العدوان الإسرائيلي، لا يستطيع أحد التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع على المدى المنظور، في ظلّ تحوّلات لم تشهدها المنطقة منذ حرب أميركا على العراق عام 2003، إذ ما زال حزب الله الحزب الوحيد المسلّح، وما زال أحد أركان النظام الأساسية، والدليل المفاوضات على تأليف حكومة الرئيس نواف سلام، فيما ينشأ نظامٌ جديدٌ في سوريا لم تتضّح معالمه بعد، بعيد تنصيب أحمد الشرع رئيسًا للجمهورية لمرحلة انتقالية.
وبالإضافة إلى ذلك، تستمر إسرائيل بالاعتداء على سيادة البلدين بعد توسيع احتلالها لأراضٍ سورية منها مرتفعات جبل الشيخ، واستهداف بنى تحتية واسلحة للجيش السوري في هجوم يُعَد من الأوسع في تاريخها، وبناء قواعد عسكرية داخل المنطقة العازلة جنوب سوريا. في المقابل، يستمر احتلالها لخمس نقاط تصفها بـ”الاستراتيجية” في لبنان، في ظلّ استمرارها بخرق اتفاق وقف إطلاق النار.
دعوات إلى علاقات ندية وتعاون
من جهته، يسعى حزب الله إلى تدارك الخسائر على الجبهات كافة بعد إدراك أمين عام حزب الله نعيم قاسم بأنّه لن يتمكّن من إنقاذ الأسد مرة أخرى. فبعد أن كان قد أكّد قبل ثلاثة أيام من سقوط هذا الأخير بأنّ حزبه سيقف “إلى جانب الحكومة السورية وسط تقدّم جماعات “إرهابية” تحاول نشر الفوضى”، عاد وتمنّى بعد أسبوع أنّ تبدأ مرحلة جديدة من “التعاون على قدر المساواة وتبادل الإمكانات”.
في المقابل، سارع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى زيارة الشرع في أول زيارة له لدمشق منذ 13 عامًا وفي الزيارة الأولى لزعيم لبناني لسوريا بعد الأسد وسلّمه مذكرة حول رؤيته للعلاقات اللبنانية السورية، تعيد التأكيد على المطالب الأزلية للبنان من سوريا.
بعد تدخل “حزب الله” في الحرب السورية، تصاعد التوتر الطائفي في لبنان، وازداد تدفق اللاجئين، خصوصًا في المناطق الحدودية، وظهرت مجموعات سلفية محلية، وتزايدت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية على النظام الللبناني المنهك أصلًا.
وتبع جنبلاط رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي وذلك بعد انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية (يناير 2025) الذي رأى في خطاب القسم أنّ “هناك فرصة تاريخية لحوار جاد ومتكافئ مع سوريا”. وفي مؤتمر صحافي مشترك مع الشرع، أكّد ميقاتي أنّ الأولوية هي “ترسيم الحدود البرية والبحرية بين البلدين، وضبط التهريب”، في حين شدد الشرع على بناء “علاقة إيجابية مبنيّة على احترام الدولتين وعلى سيادة لبنان”.
وأولى الأخير أهمية خاصة لمسألة الودائع السورية في المصارف اللبنانية، ووجوب استردادها عبر “تشكيل لجان مشتركة بين البلدين”، الأمر الذي لن يستطيع لبنان تلبيته طالما أنّ النظام عاجز عن إصلاح القطاع المصرفي.
سارع وليد جنبلاط إلى لقاء الشرع في أول زيارة له لدمشق منذ 13 عامًا وفي الزيارة الأولى لزعيم لبناني لسوريا بعد الأسد – غيتي
سيناريوهات المرحلة المقبلة
عدا هاتين الزيارتين والاتفاق الشفهي على عناوين عريضة للمرحلة المقبلة، لم يتضّح بعد شكل العلاقة التي ستجمع البلدين. وفيما وضعت السلطات السورية قيودًا لسفر اللبنانيين إلى سوريا من باب “المعاملة بالمثل” كما ورد في الإعلام، وأقفلت معابر غير شرعية بين البلدين، ينتظر كلا النظامين انكشاف معالم المرحلة الجديدة بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب نيّته “شراء” قطاع غزة بغية تحويله إلى “ريفييرا” وتهجير الغزاويين إلى مصر والأردن، ورفض المجموعة العربية في الأمم المتحدة “تهجير الفلسطينيين في غزة وبشكل قاطع”، ما قد يؤدّي إلى مواجهة مع الإدارة الأميركية.
بموازاة ذلك، أكّد مساعد ترمب للأمن القومي مايك والتز أنّ ترمب يسعى لتوسيع “اتفاقيات أبراهام” لتشمل المملكة العربية السعودية، وسط حديث عن رغبته بالتوصل إلى اتفاقيات سلام بين كلّ من لبنان وسوريا مع إسرائيل. وبينما اكتفى الشرع بالتأكيد على أنه لن يسمح “باستخدام سوريا لشنّ هجمات على إسرائيل” في سؤاله عن علاقته بها، اعتبر أمين عام حزب الله أنّ الدولة مسؤولة “أساسًا وحصرًا أن تعمل بكل جهد من أجل تحقيق هذا الانسحاب”. لكن ماذا لو حاول ترمب فرض السلام بالقوة، كما حاولت إدارة الرئيس رونالد ريغان في 17 مايو عام 1983 وفشلت فشلًا ذريعًا؟ وهل يمكن أن يبدأ “تفكيك المسارين” في تطبيع إحدى الدولتين دون الأخرى مع إسرائيل؟
المراجع
[1] قصير، سمير. بعدما انسحبت سوريا. جريدة النهار، 29 نيسان 2005
[2] نفس المصدر
[3] Picard, Elizabeth. Liban-syrie, intimes étrangers: Un siècle d’interactions sociopolitiques. Paris: Actes Sud, 2016
[6] منهم عماد مغنية في فبراير 2008 ومصطفى بدر الدين، المتهم باغتيال الحريري، في مايو 2016 وسمير القنطار في ديسمبر 2015، وهو الأسير المحرر في صفقة تبادل بين حزب الله وإسرائيل في 2008.
[8] Salloukh, Bassel F. “The Syrian War: Spillover Effects on Lebanon.” Middle East Policy, vol. 24, no. 1, Spring 2017
[11] العميد وسام الحسن رئيس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي في أكتوبر 2012 ووزير المالية السابق والسياسي المنتمي لتيار المستقبل محمد شطح في ديسمبر 2013.