في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، تكشف تقارير استخباراتية تحليلية عن استراتيجيات متباينة للقوتين العظميين، الولايات المتحدة والصين، تجاه الأزمة الإيرانية. بينما تركز واشنطن على الضغوط السياسية والتهديدات، يبدو أن بكين تعمل على تعزيز القدرات الإيرانية تقنياً وعسكرياً، مما يعقّد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
قدمت مجلة “نيوزويك” قراءة تركز على خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام الكونغرس، معتبرة أنه “كشف أوراقه” بشأن إيران. هاجم ترامب ما وصفه بالطموحات النووية “الشريرة” ولوّح بإمكانية إسقاط نظام المرشد الإيراني علي خامنئي، مؤكداً بحسب التقرير أنه “لن يسمح أبداً بحصول أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم على سلاح نووي”.
يرى التقرير أن هذا الموقف يحظى بإجماع نادر بين الجمهوريين والديمقراطيين، الذين يتفقون على أن إيران نووية ستزعزع استقرار الشرق الأوسط. وطالب ترامب طهران بكبح برنامجها النووي والصاروخي وأنشطتها الإقليمية.
أشارت “نيوزويك” إلى أن الأرقام التي ساقها ترامب حول مقتل متظاهرين إيرانيين تجاوزت تقديرات منظمات حقوقية مستقلة، مما يعكس سعي الإدارة الأمريكية لكسب معركة الرأي العام. وردت طهران بلهجة حادة، مشبهة خطاب واشنطن بدعاية وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز، ومتهمة الولايات المتحدة بتكرار “أكاذيب كبرى”.
تحصين تقني وعسكري إيراني
على صعيد متصل، ركز مقال في مجلة “ناشونال إنترست” على الدور الصيني المحتمل في حال تحولت التهديدات الأمريكية إلى عمل عسكري. يؤكد المقال أن الصين تعمل على “تحصين” إيران قبل أي هجوم أمريكي محتمل، وذلك من خلال تعزيز دعمها التقني والعسكري والاستخباراتي لطهران.
أوضح جيمس دورسو من شركة “كورسير” الاستشارية أن الصين، بموجب اتفاق تعاون استراتيجي مدته 25 عامًا بقيمة 400 مليار دولار، وسّعت دعمها لإيران. لم يبدأ هذا الدعم مع التصعيد الأخير، بل منذ الضربات الأمريكية الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025.
في تلك الفترة، استغنت إيران عن نظام تحديد المواقع الأمريكي واعتمدت كلياً على نظام “بيدو” الصيني لتأمين دقة صواريخها وحمايتها من التشويش. كما زودت الصين إيران بمنظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى “إتش كيو-9 بي” ورادارات متطورة قادرة على كشف الطائرات الشبحية الأمريكية.
بالتوازي، صدّرت الصين لطهران مادة “بيركلورات الأمونيوم” المستخدمة في الوقود الصلب للصواريخ الباليستية، ودخلت في مفاوضات لبيع صواريخ خارقة للصوت ومضادة للسفن.
ما مصلحة الصين؟
يشير المقال إلى أن العديد من الخبراء رجحوا عدم تدخل بكين، إلا أن نقاطاً متعددة تشير إلى عكس ذلك. أولاً، لا تريد الصين أن تبدو كحليف غير موثوق به، ولديها مصالح استراتيجية عميقة في إيران والمنطقة.
ثانياً، أي هجوم واسع النطاق سيهدد اتفاق التعاون الاستراتيجي بين البلدين، ومشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني بقيمة 60 مليار دولار، وهو مشروع حيوي ضمن مبادرة الحزام والطريق يعتمد على استقرار المنطقة.
ثالثاً، تشتري الصين أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحراً، وتشكل الإمدادات الإيرانية نحو 14% من وارداتها النفطية. وبذلك، لا يُعد تدخل الصين أمراً مستغرباً.
خيارات التدخل
انطلاقاً من فرضية أن الصين لن تنشر قواتها للقتال، استعرض المقال الخيارات غير العسكرية المتاحة. ومنها التلويح بحظر تصدير المعادن الأرضية النادرة، فالصين تسيطر على أكثر من 90% من إنتاجها العالمي، مما يجعل تقنيات حساسة تحت رحمتها.
لم تتخل بكين عن خيار المناورات الاقتصادية، إذ فرضت حظراً شاملاً على أي استثمارات جديدة داخل إسرائيل. كما يشمل الدعم الصيني الحالي التجسس البحري، حيث نشرت سفينة الأبحاث “دا يانغ يي هاو” لتعقب حاملة الطائرات الأمريكية في بحر العرب.
يفترض الكاتب أيضاً أن الصين نشرت أقمارها الصناعية التجسسية لتزويد إيران بمعلومات تفصيلية عن القوات الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة. وفي المحصلة، تعمل بكين على رفع كلفة أي هجوم أمريكي عبر تحصين القدرات الإيرانية تقنياً واستخباراتياً واقتصادياً.
ماذا بعد؟ يترقب المراقبون ما إذا كانت التهديدات المتبادلة ستتطور إلى تصعيد فعلي، وما هو حجم الدعم الصيني الذي سيتم الكشف عنه، مع الأخذ في الاعتبار المخاطر الاقتصادية التي قد تواجهها الصين في حال تدخلها بشكل مباشر.



