تشهد العلاقات بين الجارين المسلمين، باكستان وأفغانستان، تصعيدًا متجددًا في التوترات الحدودية، حيث تبادلا الاتهامات بشن هجمات عسكرية عبر الحدود، مما يثير القلق بشأن استقرار المنطقة. يأتي هذا التوتر الجديد بعد جولة سابقة من الاشتباكات في أكتوبر الماضي، والتي أدت إلى خسائر بشرية كبيرة.

بدأ أسبوع التوتر الحالي بغارات باكستانية مكثفة شملت نحو أربعين ضربة، ردت عليها أفغانستان بعمليات موسعة عبر الحدود. صرحت باكستان بأن غاراتها كانت ردًا على “الهجمات الانتحارية الأخيرة” التي استهدفتها، بما في ذلك هجوم على مسجد في إسلام آباد. من جانبها، نفت الحكومة الأفغانية هذه الادعاءات، مصرّحة بأن الهجمات الباكستانية استهدفت مدنيين.

تصعيد عبر الحدود: ما الخلفيات؟

يعود تصاعد التوترات بين أفغانستان وباكستان بشكل ملحوظ منذ استعادة طالبان السيطرة على كابول في عام 2021. بدأت باكستان ببناء سياج حدودي في عام 2022 لمنع تسلل المسلحين، وهو ما اعترضت عليه طالبان، مما أدى إلى زيادة المواجهات.

تتهم إسلام آباد باستمرار مجموعات مسلحة باستخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات على أراضيها، خاصة في إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا. في المقابل، تنفي حكومة طالبان هذه الاتهامات مرارًا، معتبرة أن باكستان تحاول التغطية على ضعفها الأمني الداخلي.

تاريخيًا، يعود الخلاف إلى “خط ديورند”، الذي رسمته الإمبراطورية البريطانية في عام 1893 لفصل أفغانستان عن الهند البريطانية. لم تعترف الحكومات الأفغانية المتعاقبة بهذا الخط كحدود دولية نهائية، بينما تعترف به باكستان والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

يُقسم خط ديورند مناطق سكن قبائل البشتون بين البلدين، مما يمنح الهوية القبلية أهمية خاصة في العلاقات الحدودية. كما أن وجود معابر حيوية ومناطق جبلية وعرة يزيد من التعقيد الأمني ويجعل ضبط الحدود أمرًا صعبًا ومكلفًا.

تعمقت أزمة الثقة بين البلدين مع إغلاق الحدود في نوفمبر الماضي، مما أدى إلى خسائر اقتصادية فادحة وتكدس آلاف الشاحنات. وفي فبراير الجاري، أشارت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان (UNAMA) إلى مقتل 70 مدنيًا وإصابة نحو 480 في أفغانستان جراء أعمال نُسبت إلى القوات الباكستانية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي.

مستقبل التوترات: خطوات بناء الثقة أم مواجهة أوسع؟

يحذر المحللون من أن استمرار النهج العسكري وتبادل الضربات قد يؤدي إلى “هجوم شامل” لا يخدم مصلحة أي من الطرفين. تكمن الحلول المقترحة في استعادة قنوات الوساطة التي نجحت سابقًا، مثل جهود قطر وتركيا، وتعزيز تبادل المعلومات والتعاون الاستخباري.

يُعد انعدام الثقة المحرك الرئيسي للمواجهة الحالية، ويتجلى ذلك في اتهامات متبادلة واختلافات حول بناء السياج الحدودي. يرتبط التصعيد أيضًا بالتنافس الدولي والإقليمي، بما في ذلك تأثير الصراع بين الولايات المتحدة والصين على الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني وحسابات الهند.

يبقى مستقبل العلاقات بين باكستان وأفغانستان مرهونًا بقدرة الطرفين على معالجة جذور الخلاف، بما في ذلك قضية خط ديورند، وتطبيق إجراءات فعالة لبناء الثقة. يتوقف احتواء الأزمة على إرادة سياسية صريحة، مدعومة بوساطات إقليمية ودور ديني ومجتمعي، لمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع قد تكون لها عواقب وخيمة على الأمن والاستقرار في المنطقة.

شاركها.
Exit mobile version