يؤكد الكاتب سيرغي لاتيشيف أن روسيا، بعد الانخراط في حرب دون تقييم دقيق لقدراتها، تواجه ضرورة حتمية للتعبئة وتحقيق انتصار ساحق على أوكرانيا، وذلك لضمان سلام حقيقي بدلاً من مجرد هدنة. وينتقد لاتيشيف اعتقاد بعض السياسيين الروس بأن الولايات المتحدة يمكن أن تفرض السلام على أوكرانيا، مشيرًا إلى أن كييف تتحدى واشنطن علناً بفضل الدعم المالي الأوروبي.
شدد لاتيشيف في مقال نشره موقع “بوليتيكا” على أن البيت الأبيض لن يخاطر بقطع إمدادات الاستخبارات والأسلحة عن أوكرانيا، والتي تمولها دول الاتحاد الأوروبي. ولذلك، يرى الكاتب أن موسكو يجب أن تدرك أن إنهاء الحرب في أوكرانيا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال انتصار ميداني حاسم، وليس بالاعتماد على “السيد” في واشنطن، في إشارة إلى الرئيس الأمريكي آنذاك.
طريق مسدود
ويشير لاتيشيف إلى أن الغرب، الذي ينفذ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إرادته، أقوى من مصالح الإدارة الأمريكية، وأن هذا الغرب يهدف إلى الاستيلاء على كل شيء من روسيا. ويرصد الكاتب تناقضاً بين تصريحات الرئيس الأمريكي حول قرب انتهاء الصراع، وبين ما يرسله مبعوثوه من إشارات مغايرة.
أجل مبعوثو الرئيس الأمريكي زيارتهم لأوكرانيا، مما يشير إلى عدم وجود تقدم ملموس في المفاوضات، وفقاً للكاتب. ويرى أن الولايات المتحدة، التي نصبت نفسها وسيطاً، وصلت إلى طريق مسدود في مفاوضات السلام الأوكرانية، وذلك قد يفسر تركيز واشنطن على قضايا أخرى مثل إيران.
ويرى الكاتب أن واشنطن أدركت بعد ما وصفه بفشل التعامل مع إيران، عدة أمور أساسية. أولاً، أنها لا تملك نفوذاً كافياً على كييف، حيث لا يمكنها إجبار أوروبا على وقف دعمها. ثانياً، لا يستطيع البيت الأبيض حرمان أوكرانيا من المساعدات كعقاب على “تخريب” جهود التسوية. وأخيراً، أن هناك قضايا دولية أخرى كالصين والشرق الأوسط ذات أهمية أكبر لواشنطن، مما دفعها إلى تركيز الأعباء على أوروبا، التي لا ترغب بدورها في سلام قبل عام 2030.
ويؤكد لاتيشيف أن التصريحات الأمريكية حول دورها كوسيط لإنهاء الحرب في أوكرانيا موجهة بشكل أساسي لروسيا، والدليل على ذلك هو عدم اتخاذ خطوات عملية ملموسة. ويعتبر أن ما تقوم به واشنطن هو محاولة لابتزاز موسكو، من خلال إبقاء الكرملين في وهم التوصل إلى تسوية، مما يؤخر اتخاذ إجراءات حاسمة لتحقيق نصر عسكري.
ظروف جديدة
أدت التطورات الأخيرة، ومنها ما وصفه الكاتب بفشل العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران، وهزيمة الجمهوريين المتوقعة في الانتخابات الأمريكية، إلى جرأة الرئيس الأوكراني زيلينسكي في التعامل مع الإدارة الأمريكية. بات زيلينسكي ينظر إلى الرئيس الأمريكي على أنه “رئيس عاجز” لا يمثل مصدر قلق.
يطرح لاتيشيف تساؤلاً حول ما إذا كانت موسكو ستستمر في هذا الوضع، وتظل تحت رحمة رغبة زيلينسكي في إلحاق الضرر بالولايات المتحدة، خاصة وأن زيلينسكي لا يرى الولايات المتحدة المنصة الرئيسية للمفاوضات، بل يفضل تركيا.
يستدل الكاتب على ذلك بأن بريطانيا، الشريك الاستراتيجي لأنقرة، تساعد كييف في الحرب وتشن عمليات تخريبية ضد روسيا في دول ما بعد الاتحاد السوفيتي. ويرجح الكاتب أن روسيا إما أنها لا تعرف ما يجب فعله في الوضع الحالي، أو أنها تماطل لكسب الوقت وتحضّر سراً لحرب حقيقية وتخطط لنقطة تحول عسكرية.
خيار واحد
من الصعب تصديق أن موسكو لا ترى حقيقة أن الرئيس الأمريكي لا يمتلك القدرة الكاملة على تحقيق السلام في أوكرانيا، كما يرى الكاتب. يأتي هذا في الوقت الذي تظهر فيه كييف وأوروبا استعداداً لمواصلة الحرب، مما يدفع الكاتب للتساؤل عما إذا كانت روسيا قد أصابها “وباء من الغباء” أو فقدان للبصيرة.
يقدم لاتيشيف تفسيرين محتملين: الأول هو عدم اتخاذ قرار نهائي بشأن كيفية التصرف في وضع لم يعد فيه الاعتماد على المساعدة الأمريكية ممكناً. والثاني هو أن روسيا ما زالت تحضّر لحرب جدية، وإن لم يكن ذلك واضحاً.
يختتم سيرغي لاتيشيف مقاله بالقول إنه ليس أمام روسيا خيار آخر، بعد دخولها معركة دون حساب دقيق لقدراتها، سوى التعبئة وتحقيق انتصار ساحق على العدو، لأن هذا هو السبيل الوحيد لضمان سلام حقيقي، وليس مجرد هدنة.

