تواجه كولومبيا تحديًا بيئيًا واجتماعيًا فريدًا بعد عقود من إدخال “أفراس النهر الكوكايينية”، التي تركها تاجر المخدرات بابلو إسكوبار، حيث أقرت السلطات خطة لتقليص أعداد هذه الحيوانات الغازية بسبب تهديدها للأنواع الأصلية والسكان المحليين.
تُقدر السلطات أن أعداد أفراس النهر، التي تضاعفت عشرات المرات منذ عام 1981، قد تصل إلى 1000 بحلول عام 2035 إذا لم تُتخذ إجراءات فعالة. ويُعتبر هذا الإرث الحيواني الخارج عن السيطرة نتيجة مباشرة لقرارات تاجر المخدرات الشهير.
إرث أسكوبار الخارج عن السيطرة
كولومبيا هي الدولة الوحيدة خارج أفريقيا التي تضم تجمعًا بريًا لأفراس النهر، يقدر بحوالي 200 فرد. تعود أصول هذه الحيوانات إلى أربعة أفراد تم تهريبهم وإدخالهم بشكل غير قانوني إلى مزرعة بابلو إسكوبار في أنتيوكيا عام 1981.
أنشأ إسكوبار حديقة حيوان خاصة في مزرعته “هاسيندا نابوليس”، وضمنها هذه الحيوانات بالإضافة إلى أخرى مهربة. سرعان ما بدأت أفراس النهر، التي وجدت بيئة مثالية، في التكاثر بمعدل يفوق نظيره في أفريقيا، مع معدلات نفوق محدودة للغاية.
بعد مقتل إسكوبار عام 1993، تركت الحيوانات لمصيرها. بدأت أفراس النهر بالانتشار في البرية، لتتحول تدريجيًا إلى نوع غازي. بحلول عام 2022، تجاوز عددها 170 فردًا، وهو رقم يفوق ما هو موجود في بعض مواطنها الأصلية في أفريقيا.
يُرجع خبراء البيئة هذا الانتشار إلى غياب المفترسات الطبيعية والأمراض والمنافسة البيئية في كولومبيا، خاصة في حوض نهر ماغدالينا. يلعب المناخ الملائم، مع غياب موجات الجفاف التي تضبط أعدادها في أفريقيا، دورًا هامًا في سهولة تكاثرها.
يُشير الباحثون إلى صعوبة تحديد الأعداد الدقيقة ومناطق انتشار أفراس النهر بسبب وجودها في مناطق نائية. تبدو الظروف المناخية والمائية في كولومبيا، ووفرة المسطحات المائية، وغياب القيود الطبيعية القوية، عوامل تساهم في نجاحها وتوسعها المستمر.
مهندسو البيئة.. أفراس النهر كمصدر تهديد بيئي
تمثل أفراس النهر اليوم تهديدًا بيئيًا كبيرًا. فهي تدمر الأراضي الزراعية، وتهاجم الماشية، وتشكل خطرًا على السكان بسبب حجمها الكبير وسلوكها العدواني. كما تنافس الأنواع المحلية المهددة بالانقراض، مثل السلاحف وخراف البحر، على الغذاء والمساحة.
تستهلك هذه الحيوانات كميات هائلة من النباتات، وتحدث تغييرات ملموسة في الموائل المائية. يتسبب وزنها وصغر حجمها في تغيير طبيعة المجاري المائية، وتلوث المياه، وإزاحة التربة والمكونات الحيوية، مما يغير بنية الأراضي الرطبة.
يُصنف العلماء أفراس النهر ضمن “مهندسي النظم البيئية” لقدرتها على إعادة تشكيل بيئاتها. أظهرت دراسات أن البحيرات التي تعيش فيها تتميز بخصائص كيميائية وبيولوجية مختلفة، مع زيادة في نمو البكتيريا بسبب فضلاتها، مما قد يؤدي إلى مشاكل مثل التخثث المائي.
على الجانب الآخر، يجادل بعض الباحثين بأن هذه الحيوانات قد تقدم خدمات بيئية مشابهة لما كانت تؤديه الحيوانات العاشبة العملاقة المنقرضة في أمريكا الجنوبية، مثل نقل المغذيات وتعديل بنية الأراضي الرطبة. ويحذرون من الافتراض البسيط بأن الأنواع غير المحلية تشكل دائمًا ضررًا للتنوع الحيوي.
استراتيجيات سيطرة غير مجدية
تُقدر أعداد أفراس النهر بأنها قد تصل إلى 500 بحلول عام 2030، وربما 1400 بحلول عام 2034 دون إجراءات حاسمة. أثبتت محاولات السيطرة السابقة، مثل القتل الرحيم في عام 2009، فشلها بسبب ردود الفعل الشعبية.
ركزت السلطات على خيارات أخرى مثل التعقيم، والحقن بموانع الحمل، والنقل. لكن هذه المبادرات محدودة الفعالية بسبب صعوبة الإمساك بالحيوانات الخطرة، وتكاليفها المرتفعة، واحتمالية هروبها من المناطق المخصصة.
فشلت محاولات نقل بعض أفراس النهر إلى دول أخرى، حيث لم توافق أي حكومة على منح التصاريح اللازمة. يرى الخبراء أن هذه الإجراءات غير المباشرة لن تنجح على المدى الطويل بسبب الحاجة المستمرة لتخصيص موارد كبيرة.
هل تجدي خطة الإبادة نفعًا؟
في ظل غياب خيارات فعالة، تؤكد السلطات على ضرورة اللجوء إلى القتل الرحيم لبعض الحيوانات، مع مواصلة جهود التعقيم والبحث عن حلول نقل داخلية. تتضمن الخطة الجديدة تخصيص مليوني دولار للقضاء على عشرات الأفراد في المرحلة الأولى.
ستعتمد الخطة على وسائل كيميائية وبدنية، مع وضع برنامج مراقبة لتحديد الحيوانات المستهدفة. يرى البعض أن هذه الإجراءات قد تقلل الأعداد إذا نُفذت بشكل مستمر، بينما يشكك آخرون في فعاليتها الكاملة.
تعارض جماعات حقوق الحيوان هذه الخطط، معتبرة أنها قاسية وغير إنسانية. ينظر الكثير من الكولومبيين إلى أفراس النهر بمزيج من التعاطف، ويرون فيها فرصة لجذب السياح، مما يزيد من تعقيد المشكلة.

