في عمق مياه مضيق هرمز، حيث اعتاد العالم النظر إليه بوصفه شريانا حيويا لتدفق النفط، تتكشف طبقة أخرى أكثر خفاء وخطورة؛ شبكة من كابلات الألياف الضوئية التي تحمل نبض الاقتصاد الرقمي العالمي، وتحول هذا الممر الضيق إلى نقطة اختناق ليس فقط للطاقة، بل للإنترنت أيضا. هذا التطور، الذي برز في بداية عام 2026، يضع البنية التحتية الرقمية للمنطقة تحت ضوء المخاطر الجيوسياسية المتزايدة.
تحت سطح المياه، تمتد كابلات بحرية تربط آسيا بأوروبا مرورا بدول الخليج ومصر، ناقلة كميات هائلة من البيانات التي تقوم عليها الخدمات المالية والتجارية والحكومية. وتأتي التحذيرات مؤخرا، خاصة من جهات إيرانية، لتسلط الضوء على هذه البنية التحتية الحساسة، ليس بوصفها مجرد مكونات تقنية، بل كأداة ضغط محتملة في صراع مفتوح.
يمر عبر المضيق ما لا يقل عن سبعة كابلات رئيسية، أبرزها كابل آسيا أفريقيا أوروبا واحد، وشبكة فالكون، وكابل غالف بريدج إنترناشيونال. وهي شرايين رقمية تربط جنوب شرق آسيا والهند بدول الخليج وأوروبا. وبسبب العقوبات المفروضة على إيران، تتركز هذه الكابلات حاليا في الجانب العُماني من المضيق.
هذا التمركز، بدلاً من أن يوفر الأمان، يزيد من المخاطر، حيث يمكن لحادث عرضي، كمرساة سفينة أو لغم بحري، أن يتسبب باضطراب واسع النطاق. وكان حادث البحر الأحمر في سبتمبر/أيلول 2024 مثالاً واضحا، حين أدى انقطاع كابلات نتيجة انجراف سفينة إلى تعطيل نحو 17% من حركة الإنترنت العالمية.
تكمن خطورة هذه الكابلات في دورها الحيوي؛ فهي لا تنقل البيانات فحسب، بل تدعم المدفوعات الإلكترونية، وتربط الشركات، وتضمن استمرارية الخدمات الحكومية، وتشكل ما يقارب 97% من اتصالات المنطقة، بينما تنقل نحو 30% من حركة الإنترنت بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
بدائل محدودة القدرة
ورغم وجود بدائل مثل الأقمار الصناعية، فإنها تبقى محدودة القدرة مقارنة بالكابلات البحرية، وتعتمد بدورها على بنية تحتية أرضية يمكن تعطيلها في أوقات النزاع. ما يجعل أي تهديد لهذه الكابلات تهديدا مباشرا للاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي هذا السياق، لا تحتاج إيران فعليا إلى قطع هذه الكابلات لتوظيفها كورقة ضغط؛ فمجرد التلويح بها كهدف محتمل كفيل بإثارة القلق العالمي، ودفع الدول والشركات إلى إعادة حساباتها الأمنية والاستثمارية. تتشابك المصالح الاقتصادية مع التوترات السياسية في هذه المنطقة بشكل معقد.
تأتي هذه التحذيرات في ظل تصاعد تداعيات الحرب الجارية في المنطقة، والتي بدأت آثارها تمتد إلى قطاعات غير تقليدية، من بينها البنية التحتية الرقمية. ورغم انتشار شائعات حول استهداف مباشر لهذه الكابلات، فإن تأثير أي ضرر محدود قد يكون واسعا، نظرا لطبيعة عمل هذه الشبكات.
ما هو التالي؟ ستراقب الشركات المعنية بالكابلات البحرية عن كثب أي تطورات في المنطقة، مع التركيز على الأنشطة العسكرية والتهديدات المحتملة. ويبقى احتمال استهداف هذه البنية التحتية، وتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي، أمرا قيد المتابعة.

