كشف تحقيق صحفي استقصائي، نُشر في صحيفة الغارديان البريطانية، عن وجود برنامج تدريب سري داخل جامعة باومان التقنية الحكومية في موسكو، يهدف إلى تأهيل جيل جديد من عناصر الاستخبارات العسكرية الروسية في مجالات القرصنة الإلكترونية، والتلاعب بالمعلومات، والتدخل في الانتخابات الغربية. يأتي هذا الكشف في وقت تتصاعد فيه الاتهامات الموجهة لروسيا بشن هجمات سيبرانية وهجمات هجينة ضد الدول الغربية.
وبحسب التحقيق، الذي استند إلى أكثر من ألفي وثيقة داخلية، فإن هذا البرنامج، المعروف باسم “القسم الرابع” أو “التدريب الخاص”، يشرف عليه جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU). وتفيد التقارير بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين زار الجامعة في أبريل/نيسان الماضي، لكن بيانه الرسمي تجاهل الإشارة إلى هذا القسم السري.
برنامج سري لتدريب قراصنة روسيا
يُعد برنامج “القسم الرابع” في جامعة باومان، إحدى أعرق الجامعات التقنية في روسيا، بمثابة حاضنة لعناصر الاستخبارات العسكرية المستقبلية، مع تركيز شديد على المهارات السيبرانية. يهدف البرنامج إلى تزويد الطلاب بالقدرات اللازمة لتنفيذ عمليات استخباراتية معقدة، بما في ذلك اختراق الأنظمة الرقمية ونشر المعلومات المضللة.
مناهج متخصصة في الحرب السيبرانية والمعلوماتية
تُظهر الوثائق التي حصلت عليها الغارديان مناهج دراسية مفصلة تكشف عن التدريب المكثف الذي يتلقاه الطلاب. يتضمن البرنامج تعليمات متقدمة حول الهجمات الإلكترونية، واختراق كلمات المرور، واستغلال الثغرات البرمجية، وتطوير برامج خبيثة مثل “أحصنة طروادة”. كما يُطلب من الطلاب إجراء اختبارات اختراق فعلية وتصميم فيروسات حاسوبية كجزء من متطلبات النجاح.
بالإضافة إلى الجوانب التقنية للقرصنة، يركز البرنامج أيضًا على الحرب المعلوماتية والدعاية السياسية. يُطالب الطلاب بإعداد حملات تضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، باستخدام أساليب التلاعب النفسي والدعاية الخفية لفرض “التصور الصحيح” للمعلومات على الجمهور. تتبنى المواد التعليمية بشكل كامل الرواية الرسمية للكرملين، خاصة فيما يتعلق بالصراع في أوكرانيا، بما في ذلك اتهام القوميين والنازيين الجدد بالسيطرة على البلاد وتصوير الوضع كـ “إبادة جماعية” ضد الروس في دونباس.
ضباط استخبارات كمحاضرين وتخصصات دقيقة
يقود هذا القسم السري العقيد كيريل ستوباكوف، وهو ضابط متخصص في استخبارات الاتصالات، ووقع عقداً مع إحدى وحدات الاستخبارات العسكرية الروسية في عام 2022. يقوم ستوباكوف بتدريس مواد تتعلق بالتنصت الإلكتروني والمراقبة السرية، باستخدام أدوات تجسس متطورة. كما ورد أن الجنرال فيكتور نيتيكشو، القائد السابق لمجموعة القرصنة “فانسي بير” المتهمة بالتدخل في الانتخابات الأمريكية عام 2016، يشارك في التدريس.
خريجون بوحدات عملياتية واستمرار البرنامج
تشير الوثائق إلى أن بعض خريجي هذا البرنامج التحقوا بوحدات سيبرانية معروفة، بما في ذلك وحدة “ساندوورم” البحرية، والتي اتُهمت بتنفيذ هجمات إلكترونية واسعة النطاق ضد دول مختلفة. وتؤكد مصادر أن هذا البرنامج ليس الوحيد من نوعه في روسيا، حيث تلعب جامعات أخرى، مثل “ميريا”، دورًا مماثلًا في تدريب قراصنة لصالح الدولة.
ويشير التحقيق إلى استمرار البرنامج بوتيرة متزايدة، خاصة مع تصاعد ما تسميه الاستخبارات الغربية “الهجمات الهجينة” الروسية، التي تجمع بين القرصنة والتخريب وحملات التأثير السياسي. من المتوقع أن تستمر هذه البرامج في تخريج أجيال من المختصين في الحرب السيبرانية والمعلوماتية.

