في عام 2014، التقط البشر حوالي 93 مليار صورة سيلفي، وهو رقم يعكس تحولاً عميقاً في نظرتنا لأنفسنا. يغوص كتاب “ثقافة السيلفي: كيف أصبحنا مهووسين بأنفسنا إلى هذا الحد؟” للصحفي والروائي البريطاني ويل ستور، في مترجمته العربية الجديدة، في الأسباب الكامنة وراء هذا الهوس المتزايد بالذات. يستكشف الكتاب كيف أصبحت الذات المعروضة عبر منصات التواصل الاجتماعي منتجاً يخضع للتقييم المستمر.
يقدم ستور، في ترجمة الدكتورة هناء خليف غني، قراءة نقدية للسيلفي، معتبراً إياه عرضاً ظاهرياً لمرض ثقافي أعمق يسميه “عصر الكمالية”. هذا العصر، وفقاً له، هو بيئة نفسية سامة تدفع الأفراد للسعي نحو نسخة مثالية ومستحيلة من أنفسهم، مدفوعين بضغوط منصات التواصل الاجتماعي وأيديولوجيا النجاح الفردي الباهظة.
كيف صار الفرد فرداً؟
يبدأ ستور رحلته الاستقصائية بتفكيك مفهوم “الفرد” نفسه، مؤكداً أنه بناء ثقافي تطور عبر 2500 عام من الفكر. يعود بنا الكاتب إلى اليونان القديمة، حيث شكلت البيئة الساحلية نمطاً من البقاء يعتمد على المبادرة الفردية. ثم تأتي فلسفة أرسطو التي ربطت بين التفوق والجمال الجسدي، مما رسخ فكرة الذات المستقلة وذات القيمة اللامتناهية في الإرث الغربي.
تتغير هذه الرؤية في العصور الوسطى المسيحية مع لاهوت جون كالفن، ليتحول التركيز من التميز إلى اعتبار الذات “ساحة معركة” للروح ضد الخطيئة والرغبات. ينتقل ستور ليصف كيف تم “علمنة” هذه المعركة في القرن التاسع عشر، لتتحول إلى مشروع انضباط وتعليم بهدف “تحسين” الإنسان تقنياً، ما مهد الطريق لصناعة تطوير الذات.
تبلغ هذه السردية ذروتها في الثمانينيات بكاليفورنيا مع “حركة تقدير الذات”، حيث يسلط ستور الضوء على كيف تم توظيف النفوذ السياسي لترويج فكرة خاطئة علمياً مفادها أن رفع تقدير الذات قادر على حل المشكلات الاجتماعية. تزامن هذا مع موجة النيوليبرالية وأفكار آين راند التي مجدت الأنانية، وولدت وهم “اللوح الفارغ”: اعتقادنا بأننا نولد بقدرات متساوية ويمكننا تحقيق أي شيء بالحلم والقوة، وهي ما يسميها ستور “الكذبة المظلمة في قلب عصر الكمال”.
لماذا ينهار من يملك كلّ شيء؟
ينتقل ستور في تحليله إلى النفس البشرية المعاصرة، متسائلاً عن سبب انهيار بعض الأفراد رغم توفر شروط العيش الكريم. يرجع ذلك إلى “النزعة الكمالية الاجتماعية”، حيث يصبح النجاح مجرد استرضاء مستمر لنظرات الآخرين. يتحول الضغط لإرضاء المحيط إلى دافع أساسي، مما يؤدي إلى انهيار الفرد عندما يعجز عن تحقيق الصورة المتوقعة.
يستند ستور في تحليله إلى قصة ديبي هامبتون، التي انهارت تحت ضغط الصورة النمطية للأم والزوجة المثالية. يسمي هذا “الهروب من الذات”، حيث يصبح الوعي بـ”الأنا الفاشلة” غير محتمل. يعزو ستور الخوف من نظرة الآخرين إلى جذورنا القبلية، حيث كانت المكانة الاجتماعية تتحدد بالنميمة، وجعل الخوف من النبذ جزءاً عميقاً من تكويننا النفسي.
يدعم الكاتب هذا الاستنتاج بمعطى عصبي يشير إلى أن الألم الاجتماعي يعالج في الدماغ بنفس طريقة الألم الجسدي. ويكشف ستور وهماً آخر: وهم “الذات الواحدة الأصلية”. وفقاً لعلم الأعصاب، يعمل الدماغ كـ”مترجم بارع” ينسج السرديات لتبرير السلوك، بدلاً من كونه مرآة صادقة للذات. نحن، بحسب ستور، مجموعة من الذوات المتصارعة التي تتغير حسب السياق، ومحاولة اختزال أنفسنا في “ذات واحدة مثالية” هي سبب الانهيار.
حين يصير الإنسان بيدقا
في فصول متقدمة، يصف ستور وسائل التواصل الاجتماعي بأنها منتج ليبرالي يحول الهوية إلى لعبة قابلة للقياس (الإعجابات، المتابعون). يصبح الفرد مضطراً للتحلي بصفات “الذات النيوليبرالية”: الانفتاح، النحافة، الجمال، الفردانية، التفاؤل، والاجتهاد، وتحويل الوجود الإنساني إلى مشروع تسويقي مستمر.
يستشهد ستور بقصة شابّة تقضي ساعات في تنقيح صور السيلفي قبل نشرها على إنستغرام، كدليل على تكيّف الأدمغة مع بيئة نفسية جديدة تركز على “كيف أبدو الآن؟”. يعتبر السيلفي محاولة قلقة للسيطرة على نظرة الآخرين، مما يؤدي إلى تركيز مرضي على المظهر، تراجع الأداء المعرفي، وزيادة اضطرابات الأكل والاكتئاب. كما يتناول ستور ظاهرة “غرف الصدى” الرقمية التي تعمّق الاستقطاب وتغذي العداء، حيث يصبح “التشهير” أداة لمعاقبة من يخرج عن المعايير. يختتم بالقول: “نحن نعيش في عصر الكمالية، والكمال هو الفكرة التي تقتل”.
ماذا نفعل إذن؟
في فصله الختامي، “كيف تظلّ حيّا في عصر الكمالية”، يقدم ستور دعوة صريحة لمقاومة عبادة الذات الحديثة. يؤكد على حقيقة أننا “كتل بيولوجية” محدودة بقدرات وراثية وشروط حياة لم نخترها. يرى أن محاولة إعادة تشكيل أنفسنا لتتوافق مع قوالب النيوليبرالية هي معركة خاسرة.
يقترح ستور وصفة جذرية: بدلاً من تغيير الذات، يجب تغيير البيئة. يدعو إلى الابتعاد عن الهواتف والضوضاء الرقمية، وبناء علاقات مع أشخاص يقبلوننا كما نحن. ويشدد على أهمية البحث عن “مشاريع ذات جدوى” نملك فيها قدرة حقيقية على التأثير، بدلاً من الانخراط في طموحات خيالية تغذيها ثقافة المقارنة المستمرة.

