تداعيات الحرب على سوق العمل الإيراني: ملايين العمال يواجهون البطالة
طهران – يشكو عمال المياومة في العاصمة الإيرانية طهران من تدهور حاد في سوق العمل اليومي، مستشهدين بتأثير الحرب الأخيرة التي دمرت الحياة الاقتصادية بلادهم. يأتي هذا التدهور مع حل اليوم العالمي للعمال، حيث يقف آلاف العمال الذين يعتمدون على الأجر اليومي على خط المواجهة لأزمة معيشية طاحنة.
يقول آرشام (58 عامًا)، عامل مياومة، إن الحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي أدت إلى توقف تام عن تلقي الأجور. قبل الحرب، كان يعمل بانتظام، أما اليوم، فلم يعد يجد أي فرص عمل. وهو ليس الوحيد، بل يمثل حالة لآلاف العمال اليوميين الذين كانوا أول من دفع ثمن اندلاع الحرب، وقد يكونون آخر من سيشملهم أي تعافٍ اقتصادي.
قفزة في أعداد العاطلين
أكد غلام حسين محمدي، مساعد وزير العمل الإيراني، أن الحرب قضت على أكثر من مليون وظيفة حتى الآن، مع تبخر مليوني وظيفة أخرى بشكل مباشر وغير مباشر. من جانبه، يكشف الناشط العمالي حميد حاج إسماعيلي عن فجوة واسعة بين الأرقام الرسمية للبطالة والواقع المعيشي في الشارع الإيراني.
ويضيف حاج إسماعيلي أن الأعداد الحقيقية للعاطلين قد تتراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين شخص، إذا ما تم احتساب العاملين في المنصات الرقمية والسوق غير الرسمي. ويعزو السبب وراء هذه الزيادة إلى الموجة التضخمية العاتية التي سبقت القصف، بالإضافة إلى الحرب وما حملته من دمار وعدم يقين ومخاطر سياسية وأمنية عصفت بسوق العمل.
تزايد أعداد الباحثين عن عمل يومي
يصف عبد الله (34 عامًا)، عامل يومي، واقع سوق العمل اليومي بأنه “الأشد قسوة” بسبب الحرب التي ضربت البنية التحتية الصناعية، مما أدى إلى توقف آلاف المصانع عن الإنتاج. كما أن حالة “اللاحرب واللاسلم” الحالية فاقمت من تجميد المشاريع الإنشائية.
ويشير عبد الله إلى تحول لافت يفاقم من قتامة الصورة، حيث تتزايد أعداد العمال الذين يبحثون عن عمل يومي بعد وقف إطلاق النار. الساحات التي كانت تتجمع فيها العمال صباحًا لم تعد تتسع للعاملين الجدد، الذين انضم إليهم عمال مسرحون وحرفيون أغلقت ورشهم، ومهنيون فقدوا عقودهم، ليتحولوا جميعًا إلى عمال مياومة يتنافسون على فرصة عمل.
تطبيقات النقل ملاذ للبعض
فيما يتعلق بالوجوه الجديدة التي انضمت إلى طوابير العمال اليوميين، يوضح كامران (27 عامًا)، عامل يومي آخر، أن أصحاب الشهادات الجامعية والموظفين السابقين يلجأون غالبًا إلى العمل في تطبيقات سيارات الأجرة عبر الإنترنت الوطني، وهو نظام معزول عن شبكة الإنترنت العالمية.
ويشير أحد موظفي قطاع تطبيقات النقل إلى أن العديد من المهنيين، مثل مدرسي اللغات والمهندسين المدنيين والحرفيين، تحولوا إلى سائقين بعد تجميد مشاريعهم أو إغلاق ورشهم. يحتفظ هؤلاء بشهاداتهم في الأدراج، ويبحثون عن أجر يومي يحفظ ماء الوجه.
وظائف عن بعد تبخرت
في سياق متصل، كشف سائق حاصل على شهادة الماجستير في تدريس اللغة الإنجليزية، والذي كان يدير فصولًا افتراضية قبل انقطاع الإنترنت، أن هذا الانقطاع قبل نحو 4 أشهر أدى إلى تبخر مصدر رزقه بالكامل. فقد اختفى طلابه، ولم يعد لديه القدرة على التواصل مع من تبقى منهم داخل إيران بسبب القيود الاقتصادية.
يصف السائق الإنترنت بأنه كان “صفه، ومكتبه، وراتبه”، وأن قطعه كان سببًا مباشرًا في انقطاع رزقه. ويعكس هذا الوضع سقوط شريحة كاملة من المهنيين الشباب في هاوية الاقتصاد ما بعد الحرب.
تسريح النساء: عبء إضافي
تتزايد الشهادات المؤلمة من النساء المعيلات لأسرهن، اللواتي يؤكدن أن نسبة كبيرة من فرص العمل المفقودة تركزت في أوساطهن. هذا الوضع يدفعهن نحو هاوية البطالة، مما يشكل عبئًا إضافيًا على الأسر.
تؤكد تصريحات رسمية هذا الاتجاه، حيث كشفت زهراء بهروز آذر، معاونة الرئيس الإيراني لشؤون النساء والأسرة، أن قرابة ثلث المسجلين في مظلة التأمين الاجتماعي ضد البطالة هم من النساء. وهو رقم وصفته بـ “اللافت” مقارنة بنسبة مشاركتهن في سوق العمل الرسمي.
نداءات لاحتواء التسريح الجماعي
في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، وجه العديد من المسؤولين الإيرانيين نداءات مباشرة إلى أصحاب العمل لمنع التسريح الجماعي للعمال. دعا المرشد الأعلى آية الله مجتبى خامنئي إلى خوض “مواجهة اقتصادية” و”إحباط مخططات أعداء الجمهورية الإسلامية”.
قال عزت الله ضرغامي، الناشط السياسي والوزير الأسبق للإرشاد والثقافة، إن “المصانع والمراكز الرسمية هي المخاطب الأول لكلام قائد الثورة”، مشيرًا إلى أن خطاب منع التسريح الجماعي أصبح أمرًا ملزمًا للمؤسسات المدعومة من الدولة. وأثنى ضرغامي على المؤسسات الاقتصادية التي استجابت لهذه “التوصية الخيّرة” وامتنعت عن صرف العمال رغم الأزمة.
يظل السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت سياسة “التعطيل المؤقت للتسريح” ستنجح في لجم الاحتقان الاجتماعي، أم أن المؤسسات الملتزمة بالتوصيات ستصبح ضحايا جدد لأزمة اقتصادية وصفت بأنها تعصف بـ “الأخضر واليابس”.

