أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى اضطراب كبير في أسواق الغاز العالمية، لتشهد أسعار الغاز الطبيعي ارتفاعًا ملحوظًا بسبب تعطل الصادرات من منطقة الخليج، بينما تواجه مناطق مثل غرب تكساس في الولايات المتحدة تخمة في المعروض تصل إلى حد دفع المنتجين للتخلص منه مجانًا. هذا التباين الصارخ يسلط الضوء على انقسام عميق في سوق الغاز العالمية؛ ففي حين تتنافس الدول المستوردة في أوروبا وآسيا على إمدادات شحيحة، تعاني الولايات المتحدة، أكبر منتج ومستهلك للغاز، من فائض كبير دفع الأسعار المحلية إلى مستويات متدنية.
اضطراب الإمدادات وضياع التوقعات
تسببت الأزمة في الشرق الأوسط بتغيير جذري في توقعات سوق الغاز العالمية، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية. فتعطل الشحن عبر مضيق هرمز منذ بداية مارس/آذار أحدث صدمة كبيرة في المعروض، مما زاد من تقلبات الأسعار وأخر وصول إمدادات جديدة من الغاز الطبيعي المسال. وأشارت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا تعبر مضيق هرمز، معظمها من قطر، وأغلب هذه الشحنات تتجه إلى الأسواق الآسيوية كالصين والهند وكوريا الجنوبية.
شهد إنتاج الغاز الطبيعي المسال العالمي تراجعًا بنسبة 8% على أساس سنوي في مارس/آذار، مما يعادل حوالي 4 مليارات متر مكعب. كما هبطت شحنات من قطر والإمارات بما يقدر بـ 9.5 مليارات متر مكعب مقارنة بالعام السابق، وهو تراجع لم يتم تعويضه إلا جزئيًا بارتفاع إنتاج مشاريع جديدة في أمريكا الشمالية وأفريقيا.
منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير/شباط، انخفضت العقود الآجلة للغاز في مركز هنري بولاية لويزيانا بنسبة تصل إلى 12%، مسجلة أدنى مستوى في 17 شهرًا. في المقابل، ارتفعت الأسعار في أوروبا وآسيا بشكل حاد، لتتراوح بين 21 و22 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، حسب ما نقلت رويترز.
تؤكد بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية هذا الانفصال بين الأسواق، موضحة أن أسعار الغاز في أوروبا وآسيا ابتعدت عن الأسعار الأمريكية منذ إغلاق مضيق هرمز. ووصلت عقود الغاز الطبيعي المسال في مركز تي تي إف الأوروبي إلى 14.80 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في الأسبوع المنتهي في 24 أبريل/نيسان، بزيادة 35% عن مستويات ما قبل الإغلاق.
تخمة أمريكية في الغاز الطبيعي
تمتلك الولايات المتحدة مخزونات وفيرة من الغاز الطبيعي تلبي احتياجاتها المحلية وتغذي محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال. ومع ذلك، تعمل هذه المحطات بالفعل بكامل طاقتها تقريبًا، مما يحد من قدرة واشنطن على زيادة حجم الصادرات الفورية بشكل كبير، بغض النظر عن ارتفاع الأسعار العالمية.
تشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال الأمريكية تعمل بمستويات استخدام مرتفعة، وأن المرونة المتاحة لزيادة الصادرات محدودة جدًا، وتعتمد على تأجيل أعمال الصيانة أو تسريع تشغيل المشاريع الجديدة، أو تفعيل اتفاقيات تصدير حديثة. وسجل إنتاج الغاز الطبيعي المسوق في الولايات المتحدة مستوى قياسيًا في عام 2025، بمتوسط 118.5 مليار قدم مكعبة يوميًا، مدعومًا بشكل أساسي من مناطق أبالاتشيا وبيرميان وهاينزفيل.
في حوض بيرميان، ارتفع إنتاج الغاز الطبيعي المسوق بنسبة 11% في عام 2025، ويرتبط جزء كبير من هذا الإنتاج بالغاز المصاحب لاستخراج النفط. هذا يعني أن استمرار ضخ النفط سيضيف كميات كبيرة من الغاز حتى مع ضعف الأسعار المحلية. وتتوقع الإدارة استمرار نمو إنتاج الغاز الطبيعي المسوق في الولايات المتحدة خلال العامين القادمين.
الدفع للتصريف: مشكلة الغاز السالب
في غرب تكساس، وصلت أسعار الغاز في مركز واها إلى مستويات سلبية، حيث تداول الغاز في المعاملات الفورية بأقل من الصفر في معظم أيام العام. يعود السبب إلى امتلاء خطوط أنابيب الغاز الخارجة من الحوض، مما يعجز عن نقل الكميات المنتجة إلى الأسواق. وقد ساهم تشغيل خط ماترهورن إكسبريس في تخفيف جزء من هذا الاختناق.
تشير التحليلات إلى أن هذه الظاهرة تحدث لأن نمو إنتاج الغاز في بيرميان كان أسرع من قدرة خطوط الأنابيب المخصصة لنقله. وتعني الأسعار السالبة أن بعض المنتجين، خصوصًا الذين ينتجون الغاز المصاحب للنفط، يضطرون لدفع أموال للتخلص من الغاز بدلًا من أن يحصلوا على مقابل لبيعه، بسبب صعوبة إيقاف الإنتاج أو حرقه أو تخزينه.
يتوقع محللون عدم حدوث تحسن ملموس في قدرات النقل قبل أواخر العام الحالي أو أوائل 2027، وهو الموعد المتوقع لبدء تشغيل مشاريع خطوط أنابيب أكبر.
الرابحون والخاسرون في سوق الغاز
على المدى القصير، تبدو الشركات التي لديها شحنات غاز طبيعي مسال جاهزة للبيع في وضع أفضل للاستفادة من الارتفاع الملحوظ في الأسعار العالمية. وقد عمدت شركات طاقة حول العالم إلى شراء شحنات إضافية من منتجين أمريكيين لتعويض النقص في إمدادات قطر.
ومع ذلك، لم يحالف الحظ منتجو الغاز الأمريكيون الذين يبيعون لشركات الغاز الطبيعي المسال، حيث يعتمد معظم إنتاجهم على السعر المحلي الذي ظل منخفضًا. هذا الانخفاض دفع بعض هذه الشركات إلى خفض الإنتاج مؤقتًا، في انتظار تحسن الطلب والأسعار.
على الرغم من تخمة الغاز في بعض المناطق الأمريكية، تتأثر مناطق أخرى داخل الولايات المتحدة بارتفاع الأسعار الدولية، مثل منطقة نيو إنغلاند التي تواجه تحديات في تلبية احتياجات التدفئة بسبب افتقارها لشبكات أنابيب كافية.
من المتوقع أن تستمر صادرات الغاز الطبيعي الأمريكية في النمو خلال السنوات القادمة، مدفوعة بتشغيل مشاريع تصدير جديدة للغاز الطبيعي المسال وتوسع في صادرات خطوط الأنابيب. ومع ذلك، تظل المخاوف قائمة بشأن استقرار إمدادات الغاز العالمية في ظل التوترات الجيوسياسية المستمرة.

