كشفت باحثة سويدية تدعى ألميرا عثمانوفيتش تونستروم، من خلال تجربة تضمنت اختلاق مرض مزيف، عن أخطاء منهجية خطيرة في البحث العلمي، مما يثير قلقًا حول مصداقية الأبحاث العلمية وتزايد الشكوك حول انحدارها.
هدفت تجربة تونستروم إلى اختبار قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على استيعاب المعلومات المضللة وتقديمها كنصائح صحية موثوقة. لهذا الغرض، اخترعت مرضًا أسمته “بيكسونيمانيا” (Bixonimania)، ووصفت أعراضه بأنها ميل لجفون المرضى إلى اللون الوردي الخفيف، مصحوبًا بألم أو حكة في العينين، مع ربطه بقضاء وقت طويل أمام الشاشات.
المرض المزيف يرتدي ثوبًا علميًا
تم إضفاء طابع علمي زائف على هذا المرض من خلال سلسلة من المنشورات والإصدارات. في 15 مارس/آذار 2024، نشرت الباحثة أولى المقالات حوله على منصة “ميديوم”. تبع ذلك صدور دراستين أوليّتين حول الحالة على شبكة “ساي بروفايلز” (SciProfiles) الأكاديمية في 26 أبريل/نيسان و6 مايو/أيار من العام نفسه. المؤلف الرئيسي لهذه الدراسات كان باحثًا وهميًا حمل اسم “لازليف إيزغوبليينوفيتش”، وتم إنشاء صورته باستخدام الذكاء الاصطناعي.
أوضحت ألميرا تونستروم في تصريحات لمجلة “نيتشر” (Nature) أنها حرصت على تضمين إشارات غير مباشرة تدل على زيف المرض، بدءًا من اختيار اسم “بيكسونيمانيا” الذي وصفته بأنه “يبدو سخيفًا”، وإلحاق كلمة “مانيا” التي تشير إلى أمراض نفسية لا عيون.
لم تكتفِ بذلك، بل أدرجت في الأوراق العلمية أدلة واضحة على تزييفها، مثل ذكر جامعة وهمية باسم “جامعة أستيريا هورايزون” في مدينة غير موجودة، وتقديم شكر لأكاديمية “ستار فليت” من مسلسل خيال علمي، بالإضافة إلى إشارات ساخرة لمصادر تمويل خيالية. بل إن الأوراق تضمنت عبارات صريحة مثل: “هذه الورقة بأكملها مختلقة”، و”تم اختيار 50 شخصًا خياليًا للدراسة”.
نتائج فاقت التوقعات
رغم كل المحاولات لإظهار زيف المرض، إلا أن هذه الحالة الوهمية بدأت تظهر بسرعة في استجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي. ففي أبريل/نيسان 2024، وصفت بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي “بيكسونيمانيا” بأنها “حالة نادرة ومثيرة”، وربطتها بالتعرض لضوء الشاشات، بل قدمت نصائح للمستخدمين بمراجعة طبيب العيون.
المفاجأة التي تجاوزت توقعات الباحثة، هي أن صدى هذا المرض المزيف لم يقتصر على الذكاء الاصطناعي، بل امتد ليشمل أبحاثًا منشورة. فقد استشهدت دراسة حقيقية نُشرت في مجلة “كيوريوس” بالحالة المزيفة، قبل أن يتم سحبها لاحقًا بعد اكتشاف حقيقة هذا المرض.
أثارت التجربة جدلًا واسعًا في الأوساط العلمية. يرى فريق أنها مفيدة في تقديم درس عملي حول كيفية انتشار المعلومات المضللة. بينما يعتبر فريق آخر أنها مضرة، كونها ساهمت في نشر معلومات مضللة، مما أدى إلى “تسميم” أنظمة الذكاء الاصطناعي بمحتوى زائف، خاصة مع تزايد الاعتماد عليها في المجال الطبي. ولم يشفع للباحثة عند الرافضين أن تجربتها كانت لهدف علمي، وأنها استشارت خبيرًا أخلاقيًا قبل تنفيذها.
خطيئة علمية غابت عن الجدل
في الوقت الذي اشتد فيه الجدل حول أهداف تجربة الباحثة، لم تحظَ واقعة نشر بحث علمي استشهد بـ”بيكسونيمانيا” بكثير من الاهتمام، رغم أن ذلك يعد أهم من هدف التجربة الأساسي، وفقًا للدكتورة نجوى البدري، مديرة مركز التميز للخلايا الجذعية والطب التجديدي بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا.
توضح البدري: “تستقي أنظمة الذكاء الاصطناعي معلوماتها من الإنترنت، لذا لا مفاجأة في استخدامها معلومات عن هذا المرض الوهمي. وفي النهاية، تقع مسؤولية التيقن من صحة المعلومات على الشخص الذي يعتمد على هذه الأنظمة. لكن الأخطر هو أن يتعامل باحث علمي مع هذه المعلومات بنفس طريقة تلك الأنظمة، وهو النقل دون مراجعة لما هو مكتوب.”
تشير البدري إلى أن هذا السلوك يكشف عن تعامل بعض الباحثين مع ما يُنشر في الدوريات العلمية على أنه “نص مقدس”، وهو ما يتعارض تمامًا مع قواعد البحث العلمي.
تنص هذه القواعد على أن الاستشهاد بمرجع علمي يتطلب النظر إلى قيمة الدورية، ومدى الثقة بالباحث في مجتمع البحث العلمي، خاصة عند الحديث عن مرض جديد. كما يجب في مثل هذه الحالات الانتظار للتأكد من توثيق أعراض المرض في أماكن مختلفة وعلى فترات زمنية متباينة.
تضيف البدري: “للأسف، لم يتم تطبيق أي من هذه القواعد. والأكثر غرابة هو الاستشهاد ببحث لا يزال في مرحلة ما قبل الطباعة، أي لم يخضع لمراجعة الأقران. بالتالي، هذا البحث لا قيمة له علميًا، مثل الاستشهاد بمعلومات من صفحة فيسبوك أو موقع غير علمي.”

