تُكثّف الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطها الاقتصادية على إيران، وانتقلت من استهداف القطاعات التقليدية إلى ملاحقة “بنوك الظل” والشبكات المالية المعقدة الخارجة عن النظام المصرفي الرسمي. يهدف هذا التحول الاستراتيجي إلى تقييد قدرة طهران على تمويل أنشطتها العسكرية والإقليمية، وذلك عبر حزمة جديدة من العقوبات التي أعلنت عنها وزارة الخزانة الأمريكية تحت مسمى “الغضب الاقتصادي”.
شملت العقوبات الأخيرة ثلاث شركات صرافة إيرانية، بالإضافة إلى شبكة من الأفراد والشركات الواجهة المرتبطة بها، وهي “أوبال للصرافة”، و”رادين للصرافة”، و”أرز إيران للصرافة”. تزعم واشنطن أن هذه الكيانات تشكل جزءًا من منظومة مالية موازية، وتعمل كجسور مالية تربط إيران بالنظام المالي العالمي، وتدير معاملات بمليارات الدولارات سنويًا خارج القنوات الرسمية.
منظومة مالية موازية خارج النظام الرسمي
تُعتبر هذه الشبكات، التي وصفتها الولايات المتحدة بـ”بنوك الظل”، أداة حيوية في إدارة التدفقات المالية الإيرانية، خاصة في ظل العقوبات المتتالية المفروضة على طهران. تكمن أهميتها في دورها المحوري في تسهيل عائدات بيع النفط والبتروكيماويات، حيث تعتمد طهران بشكل متزايد على تسويات مالية بعملات بديلة، بعيدًا عن النظام المالي الغربي.
تشير التقديرات الأمريكية إلى أن إيران تستخدم اليوان الصيني لتسوية جزء من صادراتها النفطية، قبل أن تقوم شركات الصرافة المعنية بتحويل تلك العائدات إلى عملات أخرى أكثر قابلية للاستخدام من قبل المؤسسات العسكرية والشركات المرتبطة بها. وتتجاوز أدوات هذه الشبكات الصرافة التقليدية، إذ تتهم الخزانة الأمريكية القائمين عليها باستخدام جنسيات أجنبية لتأسيس شركات في الخارج وفتح حسابات مصرفية تسهل الوصول إلى النظام المالي الدولي دون إثارة الشبهات.
استخدام العملات الرقمية كـ”ملاذات رقمية”
في سياق متوازٍ، يسلط تحقيق لوكالة رويترز الضوء على الدور المتنامي للعملات المشفرة كمسارات مالية بديلة. وبرزت منصة “نوبيتكس” كأحد أبرز هذه المسارات، حيث تحولت إلى قناة تربط الاقتصاد الإيراني بالعالم الخارجي، بحسب التقرير. وتشير التحقيقات إلى أن المنصة، التي أُسست قبل ثماني سنوات، استُخدمت من قبل جهات خاضعة للعقوبات، منها البنك المركزي والحرس الثوري، لتحويل ملايين الدولارات، رغم نفي الشركة أي ارتباط حكومي مباشر.
يعكس هذا التداخل بين الصرافة التقليدية والعملات الرقمية تطوراً في أدوات الالتفاف على العقوبات، ما يثير تحديات جديدة أمام الجهود الأمريكية لتضييق الخناق المالي على طهران. لم تعد المواجهة الاقتصادية تقتصر على استهداف صادرات النفط، بل امتدت إلى شبكة مالية معقدة وعابرة للحدود، تسعى واشنطن لتفكيكها باعتبارها شرياناً رئيسياً لتمويل النفوذ الإيراني.
ورغم تصاعد العقوبات، يظل السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذه الإجراءات على تحقيق أهدافها، في ظل قدرة طهران المستمرة على التكيف وابتكار قنوات بديلة لإعادة تدوير مواردها المالية بعيداً عن الرقابة الدولية. يتوقع أن تستمر الولايات المتحدة في استهداف هذه الشبكات، فيما ستبحث إيران عن طرق جديدة لتجاوزها، وسط ترقب للتطورات المستقبلية في هذا الصدد.



