تشهد أوروبا في شهر رمضان ظاهرة ملفتة تتمثل في تحول الشهر الكريم إلى موسم تجاري هام، حيث تتنافس الشركات الكبرى في قطاعات التجزئة والتكنولوجيا لتقديم عروض وخصومات خاصة. تمتد هذه العروض من المواد الغذائية الأساسية إلى التطبيقات الرقمية، مرورًا بأسواق ومعارض رمضانية خاصة، مما يعكس اندماج “اقتصاد رمضان” في صلب الرأسمالية الأوروبية.
اقتصاد رمضان في أوروبا
تظهر عروض رمضان بشكل سنوي متزايد في المدن الأوروبية، تشمل محلات بيع الزينة والفوانيس، وأنظمة تحويل الأموال، والتطبيقات الرقمية لتنظيم الوقت ومواعيد الصلاة. لم يعد الأمر محصورًا بالتجار المسلمين، بل تقود هذه الظاهرة شركات التجزئة والتكنولوجيا الكبرى، مما يعيد تشكيل تجارة التجزئة الأوروبية زمانيًا ومكانياً.
لا يعتبر هذا الاندماج مجرد نتيجة للتغيرات الديموغرافية وزيادة أعداد المسلمين، بل هو عملية منظمة لزيادة القيمة الاقتصادية عبر ترسيخ الهوية الدينية والتعدد الثقافي. تطورت هذه العملية على ثلاث مراحل تاريخية، بدأت بترسيخ الوجود الاجتماعي الإسلامي، مرورًا بـ “الصحوة الإسلامية” التي زادت الطلب على المنتجات الحلال، وصولًا إلى تزايد الاحتفاء التجاري بشهر الصيام بالتزامن مع تصاعد الإسلاموفوبيا.
يعكس هذا التوتر بين منطقين للرأسمالية: المعولمة التي تروج لتعددية ثقافية غير مسيسة، والقومية المتحالفة مع اليمين المتطرف التي تصور الوجود الإسلامي كتهديد. هذا الوضع يضع المسلم الأوروبي في موقع “هش”، مندمج في السوق ولكنه مستبعد من الحياة السياسية، حيث يتم تجريده من إنسانيته إما كمستهلك أو كرمز للتهديد.
رأسمالية “الحلال”
بدأ اندماج رمضان في الرأسمالية الأوروبية بالإنتاج، ثم الاستهلاك. يعود وجود الإسلام في أوروبا الغربية إلى النهضة الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث جلبت برامج “العمالة الوافدة” ملايين المسلمين. في تلك الفترة، كان “اقتصاد رمضان” شأنًا خاصًا داخل مساكن العمال، واقتصر أثره الاقتصادي على “الاقتصادات العرقية” مثل متاجر البقالة الصغيرة.
مع تحول الهجرة من مؤقتة إلى دائمة في ثمانينيات القرن الماضي، بدأ المسلمون في إنشاء مؤسسات دائمة، وشهدت هذه الفترة ظهور “الجزار الحلال” كمعلم بارز. تزامن ذلك مع استقرار “الصحوة الإسلامية” في صفوف الجاليات، وزاد الطلب على سلع ذات خصوصية إسلامية، مما دفع الموزعين إلى تعديلات زمنية في نمط التجارة.
بحلول تسعينيات القرن الماضي، أدركت شركات التسويق أن “السوق العرقية” قطاع متخصص يملك مستقبلاً ربحياً. وأشار تقرير عام 1995 عن حجم السوق الإسلامية إلى أن “الصيام غير المرئي” قد تحول إلى قوة اقتصادية ملموسة، مما مهد الطريق للنمو الهائل لسوق المنتجات الحلال، ناقلاً المركز الاقتصادي لشهر رمضان إلى أرفف المتاجر الكبرى الأوروبية.
كان التطور المحوري الذي سمح بدمج شهر رمضان في رأس المال الأوروبي هو توحيد معايير “الحلال”. فبعد أن كانت مسألة ثقة بين الجزار والمستهلك، أصبحت علامة تجارية تخضع لإشراف هيئات إصدار الشهادات، بسبب تغير آلية إنتاج اللحوم في أوروبا. استفادت “صناعة الحلال” من الاستثناءات التشريعية المتعلقة بالذبح الشرعي، واتسع نطاق منح شهادات “الحلال”.
ارتبط هذا التحول بظاهرة الصحوة الإسلامية، حيث تحول الدين من “ثقافة موروثة” إلى “ممارسة دينية طوعية”. واستجابت الرأسمالية الأوروبية لهذا الانتعاش بإنشاء ما يسميه جيل كيبل “وادي الحلال”، حيث أدركت صناعة الأغذية القيمة الاستهلاكية لرمضان. وقد سعت شركات عالمية عملاقة مثل نستله وكارفور إلى الهيمنة على هذا القطاع.
خلقت الصحوة الإسلامية من الخلاف الفقهي والتحريم الديني ميزة تنافسية ربحية، شكلت المحرك الرئيسي للطلب، بينما وفرت صناعة شهادات الحلال قنوات للرأسمالية لتوزيع هذه المنتجات، مما ألغى الحاجة إلى متاجر “عرقية” وخلق “مواطنة استهلاكية”.
كارفور وإخوته.. الاقتصاد السياسي لرمضان
يتجاوز دمج رمضان في الرأسمالية الأوروبية اليوم مجرد مبيعات المواد الغذائية، ليشمل قطاعات الضيافة والخدمات الرقمية. تبدأ حملات تسويقية مكثفة قبل رمضان، تُشبه حملات “الجمعة السوداء” أو عيد الميلاد، وتركز على الأسرة والروحانية. قدرت دراسة في فرنسا أن سوق المنتجات الحلال، الذي يتضاعف في رمضان، يدر مليارات اليورو سنويًا.
يحتل شهر رمضان أهمية اقتصادية متزايدة، حيث يتوقع أن يصل حجم سوق الأغذية والمشروبات الحلال في أوروبا إلى 134 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعًا بالتحولات الديموغرافية وزيادة عدد المسلمين.
يتحول “الاقتصاد الليلي” في المدن الأوروبية الكبرى إلى تجمعات اجتماعية تتمحور حول الطعام، مع تمديد ساعات عمل المطاعم و”خيام رمضان” التي تحوّل الإفطار إلى حدث تجاري. كما تستغل تطبيقات توصيل الطعام والتطبيقات الموجهة للمسلمين هذه التجربة الروحية لتحقيق الربح من خلال الإعلانات والميزات المدفوعة.
يتناقض هذا الاندماج المتزايد لرمضان في الأسواق الأوروبية مع تصاعد رهاب الإسلام والعنصرية. يسجل التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في أوروبا (CCIE) زيادة مقلقة في التمييز والعنف ضد المسلمين، ما يشير إلى تصاعد مقلق في وقائع عنصرية موثقة.
يكمن فهم هذه المفارقة في التمييز بين الرأسمالية المعولمة، التي تستفيد من التعددية الثقافية، والرأسمالية القومية، التي تعتبر الوجود الإسلامي تهديدًا للهوية الوطنية. يصف الخطاب القومي المتطرف توفر المنتجات الحلال بأنه خضوع لرأس المال “الأجنبي”.
يظهر التوتر بين جناحي الرأسمالية في الحملات التي يشنها اليمين المتطرف ضد استهلاك “الحلال”، الذي يعتبر تجسيدًا للصراع الثقافي والمظالم الاقتصادية. يرى هذا الجناح أن توفير المنتجات الحلال تنازل عن التقاليد “الأصيلة” وخضوع للعولمة.
تخلق الحدود موقعًا لتراكم رأس المال، حيث يستثمر الرأسمال القومي في “أمن الحدود”، مما يتطلب وجود عدو دائم. يبرر “التهديد الإسلامي” الإنفاق العام الهائل على الأمن والدفاع، مما يعود بالنفع على قطاع واسع من الشركات.
تنقسم الثنائية بين المسلم “الصالح” (المستهلك) والمسلم “السيئ” (السياسي). ترحب الرأسمالية المعولمة بالمسلم المستهلك، لكنها ترفض المسلم السياسي. توجه الرأسمالية التعبير الديني نحو الاستهلاك، مما يجرد المسلمين الأوروبيين من بعدهم السياسي ويستبدل المواطنة الحقيقية بـ”مواطنة المستهلك”.
في فرنسا، تتناقض القوانين الصارمة ضد التعبير الديني مع أكبر سوق للمنتجات الحلال في أوروبا. في المقابل، يعد الاندماج أكثر سلاسة في المملكة المتحدة بسبب سياسة “التعددية الثقافية” الرسمية.
يكشف هذا التوتر عن الطبيعة المتصدعة للرأسمالية، حيث يترافق الاحتفاء بالمسلم المستهلك مع تشويه صورته من قبل الرأسمالية القومية. يظهر المسلم كعرض هامشي لتوتر أعمق بين جناحي الرأسمالية، مما قد ينتج عنه تحديات جيوسياسية أوسع.
يؤكد اندماج رمضان في الرأسمالية الأوروبية رؤية مكسيم رودنسون بأن الإسلام يمكن أن يعمل بسلاسة ضمن منطق السوق. بينما يبرر استمرار العنصرية هواجس سيد قطب حول أن الاندماج الرأسمالي غالبًا ما يأتي على حساب النقاء الروحي والموقف السياسي، مما يترك المسلم عالقًا بين سوق يطوع هويته من أجل الربح وصراع ثقافي يستثمر في وجوده لتغذية الشعبوية والخوف.



