شهدت مصر مؤخرًا زيادة جديدة في أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت، والتي تراوحت بين 9 و15 بالمائة على نظام الباقات، مما يزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. جاءت هذه الزيادة، التي دخلت حيز التنفيذ الأربعاء، لتضاف إلى سلسلة من موجات الغلاء التي يشهدها السوق المصري، مع تأكيد الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات على أن أسعار دقيقة الصوت للثابت والمحمول وكروت الشحن والمحافظ الإلكترونية لم تتأثر.
وفقًا للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، تهدف هذه الزيادات إلى دعم استدامة تطوير خدمات الاتصالات وتحسين جودتها المقدمة للمستخدمين في أنحاء الجمهورية. وقد برر الجهاز هذه الخطوة بضرورة تمكين شركات الاتصالات من زيادة استثماراتها في تحديث الشبكات، ورفع كفاءتها التشغيلية، والتوسع في البنية التحتية لمواكبة النمو المتزايد في الطلب على الخدمات، خاصة مع الزيادة الملحوظة في معدلات استخدام الإنترنت الأرضي والتي بلغت 36% خلال عام، مما يضع ضغوطًا متزايدة على الشبكات.
تأثير زيادة أسعار الاتصالات على المواطن المصري
يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن هذه الزيادة في أسعار خدمات الاتصالات ليست سوى حلقة ضمن “متتالية الغلاء” التي يواجهها المواطن المصري، مشيرًا إلى أن هذه الموجات لن تتوقف قريبًا، لا سيما مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا. وأشار إلى أن شركات الاتصالات كانت تتحدث عن هذه الزيادة منذ نهاية العام الماضي، وأنها ليست مفاجئة، وأن الدور قد جاء لتطبيقها ضمن جدول زيادات متوقع، مرجحًا أن تكون المرحلة التالية هي زيادة أسعار الأدوية.
ورغم أن النحاس يرى أن الزيادة الأخيرة قد تكون “مبررة من حيث زيادة تكلفة الإنتاج” نظريًا، إلا أنه ينتقدها بشدة فيما يتعلق بـ”الخدمة الرديئة في الإنترنت والشبكات في مصر”. وهذا ما تشعر به الكثير من الأسر المصرية، مثل أسرة آية محمود، التي كانت تأمل في تحسين خدمات الإنترنت المنزلي لديها مع دخول الإنترنت الأرضي، لكنها وجدت نفسها أمام زيادة في التكاليف.
دعاء عطية، باحثة وأم لطفلين، تؤكد أن الإنترنت لم يعد رفاهية بل ضرورة أساسية لعملها، خاصة مع تزايد الاعتماد عليها في ظل جهود توفير الطاقة. وتشير إلى أن الأسر التي لجأت إلى الدروس التعليمية عبر الإنترنت لتوفير النفقات، ستجد نفسها الآن مضطرة لتحمل زيادة فاتورة الإنترنت، مما يلغي أي وفر كان يمكن تحقيقه.
الانتقادات والتشكيك في مبررات الزيادة
في المقابل، انتقد عضو مجلس النواب إيهاب منصور الزيادة الأخيرة، متسائلاً عن دور الأجهزة الرقابية مثل “جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية” في تقييم أداء شركات الاتصالات ومبررات الزيادات التي تقرها، لا سيما مع ما يعاني منه المواطنون من سوء الخدمة. وأكد منصور أن سوء الإنترنت وتقطعه المستمر يعيق عمله النيابي وتواصله مع المواطنين، مما يضطره لاتخاذ إجراءات غير تقليدية لتلقي الاتصالات المهمة.
وأضاف منصور أن المواطن المصري “لم يعد قادرًا على تحمل مزيد من الأعباء” في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، وأن إضافة زيادات في فواتير الاتصالات والإنترنت هو عبء إضافي غير مقبول. يذكر أن مصر شهدت بالفعل ارتفاعًا في أسعار السلع والخدمات في شهر مارس الماضي، عقب قرار الحكومة زيادة أسعار المحروقات.
إسلام محمد، الذي يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات، يرى أن الزيادة “غير مبررة” وأن المواطنين في مصر “يدفعون قيمة مرتفعة للغاية لشركات الاتصالات مقابل خدمة سيئة”. ويعتبر أن هذه الزيادة تمثل “زيادة في أرباح هذه الشركات على حساب المواطن”.
يتفق معه الخبير الاقتصادي وائل النحاس في أن تحقيق الأرباح الضخمة لشركات الاتصالات من بنود أخرى مثل المحافظ الإلكترونية والتطبيقات والمنصات، كان يستوجب محاسبة هذه الشركات بشفافية، وألا يكون الحل هو “تحميل المواطن العبء” كمخرج سهل.
ماذا بعد؟
يبقى السؤال حول مستقبل أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت في مصر، وما إذا كانت هذه الزيادة الأخيرة ستكون نهاية المطاف أم مجرد بداية لمزيد من الارتفاعات. كما أن التساؤلات حول فعالية الرقابة الحكومية على أداء شركات الاتصالات وتطبيقها لزيادات الأسعار تظل قائمة، خاصة في ظل الشكاوى المتزايدة من جودة الخدمة. ومن المتوقع أن تستمر الأوضاع الاقتصادية العامة في التأثير على قرارات التسعير المستقبلية، مع ترقب ما إذا كانت أي إجراءات تصحيحية ستتخذ لمعالجة أزمة جودة الخدمة وتكاليفها.



