تُعدّ القدرات الدفاعية الجوية ونظم الاعتراض الصاروخي من أهم المحاور التي تعيد الدول تقييمها في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة. يشهد العالم، وبالأخص القارة الأوروبية، تحولًا جذريًا في عقائد الدفاع الجوي، مدفوعًا بالدروس المستفادة من الصراعات الأخيرة، لا سيما “عملية الغضب الملحمي” التي كشفت عن حدود القدرات الدفاعية التقليدية. لم يعد التفوق العسكري يُقاس فقط بالتقنية المتقدمة، بل أصبح استنزاف المخزونات والقدرة الصناعية على تجديدها عاملًا حاسمًا في حروب الاستنزاف الممتدة.
إعادة تصميم “العمارة الدفاعية الأوروبية”
أدت الاستخدامات المكثفة لمنظومات الدفاع الجوي الأمريكية، مثل “ثاد” و”إس إم-3″ و”باتريوت”، خلال الصراع الأمريكي الإسرائيلي على إيران إلى استنزاف كبير في المخزونات. تشير تقديرات إلى استهلاك ما يزيد عن 11 ألف قطعة ذخيرة خلال 16 يومًا فقط، بتكلفة تقدر بـ 26 مليار دولار. هذا الاستنزاف تجاوز معدلات الإنتاج السنوية بشكل كبير، حيث استُهلك ما يعادل إنتاج عامين من صواريخ “باتريوت باك-3” في 16 يومًا فقط.
دفعت هذه الوضعية الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع مواردها الدفاعية، مع تحذيرات من تأخير شحنات الأسلحة لأوكرانيا وتايوان. في المقابل، تواجه أوروبا تحديًا دفاعيًا متصاعدًا، خاصة مع تزايد التوترات داخل حلف الناتو والخلافات حول أعباء الدفاع. يتطلب هذا الوضع من أوروبا البحث عن بدائل لسد الفجوة الدفاعية وتعزيز أمنها الذاتي.
تتجه أوروبا اليوم نحو مسارين متوازيين: الأول هو زيادة المشتريات وتوسيع القاعدة الصناعية لضمان القدرة على تعويض الاستهلاك في الحروب الطويلة. أما المسار الثاني، وهو الأكثر عمقًا، فيتمثل في إعادة تصميم “العمارة الدفاعية” داخل القارة لإنشاء شبكات دفاعية متكاملة.
مفيد أمام المُسيّرات.. عاجز أمام الباليستي
تتميز منظومة “باتريوت” بقدرتها على التعامل مع طيف واسع من التهديدات، بما في ذلك الأجهزة المطورة مثل الصواريخ الفرط صوتية. رغم فعاليتها، فإن النظام يعمل كغرفة عمليات متحركة، معتمدًا على رصد وتحليل وإطلاق صواريخ لاعتراض الأهداف بدقة فائقة. لكن الأداء المتفوق ضد المسيرات والصواريخ الجوالة لا ينسحب بالضرورة على الصواريخ الباليستية.
يعتمد نظام الدفاع الجوي الألماني “أيريس-تي إس إل إم” (IRIS-T SLM) على رادار متكامل ومركز عمليات تكتيكي، ويُعتبر فعالًا بتكلفة معقولة ضد الأهداف الهوائية المتحركة. ومع ذلك، يواجه صعوبة في اعتراض الصواريخ الباليستية نظرًا لسرعتها الهائلة ومسارها شبه العمودي. النظام النرويجي الأمريكي “ناسامز” (NASAMS) يواجه قيودًا مشابهة، حيث يفتقر إلى القدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية.
إدارة التكلفة القتالية
يُعدُّ النظام الفرنسي الإيطالي “سامب/تي” (SAMP/T) الأقرب أوروبيًا إلى منظومة باتريوت، حيث يوفر قدرات أوسع تشمل التعامل مع الصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة والمُسيَّرات والطائرات. يتميز بأداء فعال ضد الأهداف البعيدة، وقد أثبت فعاليته في أوكرانيا، بما في ذلك إسقاط طائرة مقاتلة روسية. الأنظمة الأوروبية تسعى لبناء شبكة دفاع متعددة الطبقات، تتكون من طبقات مختلفة لمواجهة تهديدات متنوعة بتكلفة مناسبة.
هذه الفلسفة المتمثلة في مواءمة تكلفة الاعتراض مع طبيعة التهديد تضمن عدم استخدام صواريخ باهظة الثمن لاعتراض أهداف منخفضة التكلفة. تتنوع تكاليف صواريخ الاعتراض بشكل كبير، حيث يصل سعر صاروخ “باتريوت باك-3” إلى حوالي 7 ملايين دولار، بينما لا تتعدى تكلفة صواريخ “أيريس” 500 ألف دولار. يسهم هذا التنوع في زيادة الكفاءة الاقتصادية الدفاعية.
تظهر هذه التوجهات في عقود دفاعية كبيرة، مثل اختيار الدنمارك بناء منظومة تعتمد على 4 أنظمة مختلفة، مفضلةً الحل الأوروبي متعدد الطبقات على منظومة “باتريوت” الأمريكية. يهدف هذا التوجه إلى تقليل الاعتماد المفرط على واشنطن وبناء قدرات موازية، مع الأخذ في الاعتبار القيود الصناعية وتشابك سلاسل التوريد.
“سامب/تي” في مواجهة “باتريوت”
على المستوى التقني، يتميز نظام “سامب/تي” بتصميم راداري يوفر تغطية كاملة بزاوية 360 درجة، ما يمنحه قدرة التعامل مع تهديدات قادمة من عدة اتجاهات في وقت واحد. النسخة الفرنسية تعتمد على رادار “غراوند فاير” (GF300) الذي يعمل في نطاق “إس”، بينما النسخة الإيطالية تستخدم رادار “كرونوس” (Kronos) الذي يعمل في نطاق “سي”، مما يعكس أولويات تشغيلية مختلفة من حيث المدى والدقة.
في المقابل، يواجه رادار “باتريوت” قيودًا في زاوية التغطية، ما يستلزم نشر البطاريات بطريقة متداخلة. ورغم أن الرادارات الأحدث مثل “LTAMDS” تعالج هذه المشكلة وتوفر تغطية 360 درجة، فإن انتشارها الواسع لا يزال قيد التنفيذ. يحتفظ “باتريوت” بتفوق نسبي في اعتراض الصواريخ الباليستية عالية السرعة والمناورة بفضل آلية الاصطدام المباشر.
أما “سامب/تي” فيستخدم أسلوب “التفجير القريب بالشظايا”، وهو ما يمنحه هامش خطأ أكبر ومرونة في التعامل مع طيف واسع من الأهداف، لكنه قد يكون أقل تخصصًا للصواريخ الباليستية فائقة السرعة. بالإضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا قيودًا في قدرتها على الإنتاج الكمي، حيث ظهرت مؤشرات على نقص في صواريخ “أستر 30” الاعتراضية، مما يكشف عن تحدي القدرة على تغذية المنظومات واستدامتها في سياق حرب طويلة.
يبقى التحول الحالي أقرب إلى إعادة موازنة المخاطر وتقليل الاعتماد المفرط على واشنطن، بدلاً من قطيعة استراتيجية. تسعى الدول الأوروبية لبناء قدرات موازية، ولكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الاستغناء الكامل عن المنظومات الأمريكية.

