وقعت شركة “غوغل” الأمريكية اتفاقية جديدة مع وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون)، لتنضم بذلك إلى قائمة شركات الذكاء الاصطناعي التي تدعم جهود إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هذا المجال. وفقًا لتقرير لوكالة رويترز، تتيح هذه الاتفاقية للبنتاغون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة لأي أغراض حكومية، سواء كانت سرية أو علنية.
تأتي هذه الخطوة في سياق سلسلة من الاتفاقيات التي أبرمتها الوزارة مع شركات تقنية رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك “أوبن إيه آي” و”إكس إيه آي” التابعة لإيلون ماسك. تهدف هذه الصفقات إلى منح البنتاغون حرية ومرونة قصوى في تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأنشطة الدفاعية، بما في ذلك تشغيل الأسلحة ذاتية التشغيل أو تعزيز أنظمتها.
صفقات تخدم الحرب أولا
“غوغل” من جانبها، أوضحت لصحيفة “ذا إنفورميشن” أن هذه الاتفاقية ليست جديدة كليًا، بل هي تعديل لاتفاق قائم بالفعل بينها وبين البنتاغون. تأتي هذه التطورات في ظل علاقات متوترة بين البيت الأبيض وبعض شركات الذكاء الاصطناعي، كما يتضح من إعفاء أحد موظفي وزارة التجارة المعني بالذكاء الاصطناعي وتشريعاته التجارية، والذي كان يعمل سابقًا في شركة “أنثروبيك” التي تشهد علاقة فتور مع البيت الأبيض.
أبرم البيت الأبيض مؤخرًا مجموعة من الصفقات مع شركات متعددة في قطاع الذكاء الاصطناعي، أبرزها اتفاقية مع “أوبن إيه آي”، والتي جاءت بعد تدهور العلاقات بين “أنثروبيك” والبنتاغون. تفاقمت هذه الأزمة بعد تصريحات صادرة عن “أنثروبيك” تفيد بعدم قدرتها على الموافقة على الاستخدامات العسكرية لتقنياتها، مشيرة إلى تعارض ذلك مع ميثاقها الأخلاقي الرافض لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مراقبة المواطنين أو تطوير الأسلحة ذاتية التشغيل.
تسببت تصريحات “أنثروبيك” في تدهور كبير للعلاقات، لدرجة أدت إلى إعلان وزير الحرب الأمريكي بيت هيغيسث ضم الشركة إلى القائمة السوداء للشركات التي تشكل خطرًا على سلاسل التوريد العسكرية. بدأت هذه الأزمة في أواخر فبراير الماضي، حيث أكدت “أنثروبيك” رفضها لاستخدام البنتاغون لتقنياتها في مجالات عسكرية محددة.
في غضون أيام قليلة من تدهور العلاقات بين “أنثروبيك” والبنتاغون، أعلن الرئيس التنفيذي لـ”أوبن إيه آي”، سام ألتمان، عن إبرام اتفاقية مع البنتاغون لاستخدام تقنيات شركته في المجال العسكري دون قيود واضحة، وفقًا لتقرير وكالة “سي إن بي سي”.
كان لشركة “غروك” موقف مشابه، حيث تم دمج أنظمتها بشكل مباشر في منظومات وزارة الحرب منذ يناير الماضي، أي قبل فترة كافية من أزمة “أنثروبيك”.
يُذكر أن أنظمة “أنثروبيك” سبق واستُخدمت في التخطيط لعمليات بارزة، بما في ذلك التخطيط لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والحرب على إيران، حسب تقارير سابقة.
100 ألف وكيل ذكاء اصطناعي حربي
بالإضافة إلى الاتفاقيات الخارجية، تمتلك وزارة الحرب الأمريكية منظومة داخلية متطورة للذكاء الاصطناعي تُعرف باسم “جين إيه آي. ميل” (GenAI.Mil). وتتضمن خطط الوزارة تطوير أكثر من 100 ألف وكيل ذكاء اصطناعي، مدعوم بتقنيات من “أوبن إيه آي” و”غروك”، قادر على الوصول إلى الأنظمة السرية للوزارة.
تضم المنصة حاليًا أكثر من مليون مستخدم، على الرغم من أنها لم تصل بعد إلى مرحلة التكامل الكامل أو الإطلاق النهائي. هذا التوسع يشير إلى استثمار كبير من قبل وزارة الدفاع في قدرات الذكاء الاصطناعي.
فلسفة الانتفاع من الحرب والواجب الوطني
تتعاون وزارة الحرب الأمريكية مع شركات تتبنى فلسفة استخدام الذكاء الاصطناعي في سياق الحرب كواجب وطني، وتبرز شركة “بالانتير” الأمريكية كشريك رئيسي في هذا المجال. يرى مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، في كتابه أن شركات وادي السيليكون تدين للحكومة الأمريكية بأكثر من مجرد خدمات مجانية.
يبرر كارب في كتابه، الذي صدر مؤخرًا، ضرورة تطوير أسلحة الذكاء الاصطناعي بالنظر إلى جهود الخصوم الأمريكيين في هذا المجال، مؤكدًا أن السؤال الحاسم يتعلق بمن يمتلك هذه التقنيات أولاً.
حظي كتابه باهتمام متجدد بعد قيام “بالانتير” بنشر بيان مكون من 22 نقطة تلخص فلسفة كارب، مما أثار ردود فعل متباينة، حيث وصفه البعض بأنه “هذيان رجل شرير” بينما يراه آخرون رؤية استراتيجية.
تعتمد كافة أنظمة وزارة الحرب الأمريكية بشكل أساسي على “بالانتير” وبياناتها، بالإضافة إلى استخدامات واسعة النطاق لها في وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية. وقد أدى هذا الارتباط إلى ارتفاع كبير في قيمة أسهم الشركة، محققة أرباحًا تجاوزت 1.41 مليار دولار.
انتقادات لاذعة من الموظفين
في سياق متصل، واجهت “غوغل” انتقادات داخلية بشأن اتفاقياتها مع وزارة الحرب. فقد تمرد عدد من الموظفين، بما في ذلك 20 موظفًا ومديرًا في قسم “ديب مايند” لأبحاث الذكاء الاصطناعي، ووجهوا رسالة إلى الرئيس التنفيذي للشركة، سوندار بيتشاي، مطالبين برفض الصفقة أو فرض قيود عليها. هذا الموقف يعيد إلى الأذهان احتجاجات موظفي “غوغل” السابقة ضد مشروع “مايفين”.
يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان البيت الأبيض سيضع حدودًا واضحة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، أم أنه سيواصل استغلالها وتقنياتها في مواجهة التحديات الاستراتيجية المختلفة.

