يُعد الشيخ عباس مقادمي، رحمه الله، أحد أبرز رواد التلاوة السعودية وصوت الحجاز الأصيل، الذي ترك بصمة لا تُمحى في وجدان أجيال داخل وخارج المملكة. بوصفه عميد القرّاء السعوديين وشيخ القرّاء الحجازيين، لم يكن مقادمي مجرد قارئ متقن، بل شكّل مدرسة صوتية امتزج فيها الوقار بالعذوبة، وأصبحت تلاوته جزءاً لا يتجزأ من روحانيات رمضان في المملكة.
وُلد الشيخ عباس مقادمي عام 1920 بمنطقة الحجاز، ونشأ في بيئة غنية بالسنة النبوية وعلوم القرآن، حيث تلقى تعليمه على أيدي كبار العلماء وشيوخ القراء. تميز صوته بنبرة حجازية فريدة، جمعت بين الهدوء والاتزان، والقدرة على إيصال مشاعر الخشوع والتأمل العميق للمستمعين. تركت تلاواته أثراً بالغاً، خاصّة خلال شهر رمضان المبارك، حيث ارتبط صوته بأجواء العبادة والروحانية، مما جعله أيقونة صوتية خالدة في الذاكرة السعودية.
شيخ القراء الحجازيين
اكتسب الشيخ عباس مقادمي لقب “شيخ القراء الحجازيين” بجدارة، نظير إتقانه التام لأحكام التلاوة، وقوة أدائه، ورسوخه في المدرسة الحجازية للتلاوة. تميز منهجه في التلاوة بالتركيز على وضوح الحرف، وإبراز المعنى، وبناء الآية القرآنية بتدرج محسوب وصعود هادئ، مستلهماً في ذلك المقامات الصوتية الحجازية الأصيلة التي تتسم بالوقار والاتزان.
لم يكن صوته مجرد أداء أكاديمي، بل كان مدرسة قائمة بحد ذاتها، حملت طابعاً مميزاً جعله قريباً من قلوب المستمعين. أدتإذاعات المملكة وتواجد صوته في المساجد الكبرى إلى انتشاره على نطاق واسع، مما أكسبه محبة واحترام شرائح مجتمعية متنوعة. كما كان له دور بارز في تخريج جيل من القراء السعوديين الذين حملوا مشعل تلاوته وأسلوبه.
إعلان
ليالي رمضان وعبق الذكريات
ارتبط صوت الشيخ عباس مقادمي ارتباطاً وثيقاً بليالي رمضان في الحجاز، والمملكة عموماً. ففي مساجد مكة وجدة والمدينة، كان للصلاة خلفه روحانية خاصة. كان المصلون ينتظرون بصبر وهدوء استعداد الشيخ للإمامة، ثم انسياب آياته القرآنية التي تحمل الطمأنينة والسكينة، مما يضفي على صلاتي التراويح والقيام خشوعاً عميقاً.
في زمن مضى، كان صوت مقادمي يمتد عبر مكبرات الصوت ليملأ الأحياء، حيث كان ينصت إليه الأطفال من نوافذ البيوت، والصغار والكبار على حد سواء. ومع دخول أجهزة التسجيل إلى البيوت، أصبحت تلاواته رفيقة الأسر الحجازية، ثم انتشرت في أرجاء المملكة، لتصبح جزءاً لا يتجزء من الطقوس الرمضانية، من صلاة المغرب إلى وقت السحور.
كان تشغيل تسجيلاته قبيل الإفطار يخلق جواً من السكينة، ويساعد على تلطيف وطأة العطش. وفي ساعات السحور المتأخرة، كانت تلاواته تعاد في البيوت الهادئة، كأنه رفيق الليالي الأخيرة من الشهر الفضيل. هذا التكرار الموسمي الطويل رسّخ في الذاكرة الجماعية ارتباط صوته بالشهر الكريم، بحيث أن سماع آياته كفيل باستحضار رمضان في الذهن قبل حلوله تقويمياً.
ذاكرة لا تُمحى: إرث صوتي خالد
تحوّل صوت الشيخ عباس مقادمي إلى علامة فارقة في تاريخ التلاوة السعودية، وصوتٌ ترتبط به أجيال من المصلين. فهو الصوت الذي سمعه الآباء في شبابهم، ثم سمعه الأبناء وهم يكبرون، ليصبح جزءاً من حكايات العائلة وذكرياتها. لم يأتِ هذا التصاقه بالوجدان الرمضاني من فراغ، بل هو نتاج تكرار موسمي ارتبط بمشاعر جماعية عميقة.
لم يقتصر إرث مقادمي على كونه قارئاً فحسب، بل امتد ليشمل دوره التربوي كمعلم ومربٍ. فقد تخرج على يديه عدد من القراء السعوديين الذين واصلوا حمل بصمة المدرسة الحجازية. كان يؤكد دائماً على أن الصوت خادم للمعنى، وأن جمال الأداء لا يكتمل إلا بالانضباط لأحكام القرآن واحترام النص المقدس. هذه القيم رسّخت تقاليد تلاوية أسهمت في تشكيل الهوية السمعية السعودية.
حضور لا يغيب
توفي الشيخ عباس مقادمي عام 1990، لكن صوته لم يغِب عن المشهد الثقافي والديني. بل ظل حياً عبر التسجيلات المتاحة، وفي ذاكرة المصلين الذين استمتعوا بتلاوته، وفي مسيرة القرّاء السعوديين الذين يعتبرونه أحد أعمدة جيل الرواد. لم يكن تأثيره مقصوراً على إتقان التلاوة، بل تجسد في قدرته على تجسيد مرحلة كاملة من تاريخ التلاوة السعودية، مرحلة امتزجت فيها البساطة الصوتية بروح المكان.
بهذا، تحول عباس مقادمي من مجرد قارئ في المحراب إلى رمز في الذاكرة، ومن صوتٍ يُسمع إلى علامة زمنية تعلن قدوم شهر رمضان. وفي كل عام، مع إذاعة تسجيلاته القديمة، يشعر الكثيرون بأن الشهر الكريم قد عاد، وأن مع عودته يعود شيء من الماضي الجميل، ممثلاً في صوت شيخ القرّاء الحجازيين، وعميد القرّاء السعوديين، عباس مقادمي.
يبقى صوت الشيخ عباس مقادمي مصدر إلهام للأجيال القادمة من القراء، وتحدياً لسد الفجوة بين التراث والحداثة في عالم التلاوة.



