تتجه الشركات التقنية بشكل متزايد نحو تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على محاكاة السلوك البشري. وقد شهد الأشهر الماضية تسريحات واسعة النطاق للموظفين، شملت شركات كبرى مثل “أوراكل” و”ميتا” و”مايكروسوفت”، مما أثار تساؤلات حول مستقبل العمل.
بينما تشير التقارير إلى سعي الشركات للاعتماد على الذكاء الاصطناعي، غالبًا ما تتجاهل تكاليف التشغيل الخفية لهذه التقنيات. وعلى الرغم من أن الشركات الكبرى لديها القدرة على تحمل هذه التكاليف، إلا أن الحقيقة المرة هي أن الاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يكون في بعض الأحيان أعلى تكلفة من توظيف موظفين بشريين.
اقتصاد التوكنز وتكلفته اللانهائية
تعتمد شركات الذكاء الاصطناعي على نموذج “التوكنز” (Tokens) كمحور أساسي لاحتساب تكلفة استخدام نماذجها. يمكن تشبيه “التوكنز” بالعملات المعدنية في الألعاب، حيث يتطلب كل إجراء تتم توجيهه للنموذج استهلاك عدد معين منها. هذه التكلفة، وإن كانت خفية، قد تتجاوز رواتب الموظفين البشر السنوية، كما يكشف تقرير لوكالة “كوينتيليغراف”.
تقدم الشركات عادةً حزمة أولية من “التوكنز” مع الاشتراكات المدفوعة، ولكن الشركات والمستخدمين التجاريين يجدون أنفسهم مضطرين لشراء المزيد باستمرار لإتمام مهامهم. المستثمر التقني الشهير مارك كوبان يؤكد أن كلفة تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام “التوكنز” يمكن أن تصل إلى ضعف تكلفة إيكال المهمة لموظف بشري.
شكاوى مستخدمي نماذج مثل “كلود” تشير إلى استهلاك مرتفع لهذه “التوكنز”. يورد تقرير لـ”بيزنس إنسايدر” أن تكلفة تشغيل “كلود” يوميًا يمكن أن تصل إلى 300 دولار، مما يعني تجاوز 100 ألف دولار سنويًا، وهو ما يعادل راتب مهندس برمجيات متوسط الخبرة.
لا يمكن الاستغناء عن المراجعة البشرية
على الرغم من قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي المتزايدة، إلا أن إنتاجها ما زال يتطلب مراجعة بشرية دقيقة. تقرير لمجلة “فوربس” يسلط الضوء على أن غالبية الشركات التي دمجت الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى موظفين لمراجعة مخرجاته لتجنب الأخطاء. هذا ما يُعرف بـ”الملاءة المعرفية” لدى الموظفين، وقدرتهم على تصحيح الأخطاء المحتملة.
هذا يعني أن الشركات، حتى الناشئة منها، لن تستطيع الاعتماد كليًا على الذكاء الاصطناعي دون وجود عنصر بشري. هذا الجانب يزيد من تكلفة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بشكل غير مباشر، حيث يتطلب الأمر توظيف مراجعين ذوي خبرة لمتابعة وتدقيق مخرجات الذكاء الاصطناعي.
الاختيار بين الأتمتة ووكلاء الذكاء الاصطناعي المتطورين
تفضل بعض الشركات استخدام مصطلح “وكلاء الذكاء الاصطناعي المتطورين” للإشارة إلى حلول الأتمتة المتقدمة التي تدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي. ووفقًا لتقرير نشرته “أوراكل”، فإن هذه الحلول تعتمد على أتمتة أطر العمل، مما يجعلها أقل تكلفة في التشغيل مقارنة بوكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين.
من الضروري للشركات فهم احتياجاتها بدقة واختيار الحل المناسب. يجب التمييز بين المهام التي يمكن أتمتتها بكفاءة، وتلك التي تتطلب قدرات وكيل ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا، مع الأخذ في الاعتبار التكلفة التشغيلية الأعلى لوكلاء الذكاء الاصطناعي.
التكلفة الخفية للذكاء الاصطناعي
لا تغطي الأرباح من اشتراكات الذكاء الاصطناعي بالضرورة تكاليف تشغيل البنية التحتية وتطوير النماذج. شركة “OpenAI” على سبيل المثال، لم تصل إلى الربحية حتى الآن، على الرغم من مكانتها. يشير تقرير لـ”وايرد” إلى أن مبيعات هذه الخدمات لا تكفي لتغطية تكاليف الخوادم والصيانة، مما يفسر الحاجة إلى نموذج “التوكنز”.
لذلك، ينظر إلى اشتراكات الشركات التي تبيع خدمات الذكاء الاصطناعي كأداة لجذب المستخدمين وتشجيعهم على الإنفاق على “التوكنز” والخدمات الإضافية. في ظل هذا الاقتصاد، قد يصبح الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي غير مجدٍ للعديد من الشركات، لما تتطلبه من تكاليف تشغيل تتجاوز كلفة توظيف خبراء بشريين، خاصة مع الحاجة الملحة للمراجعة البشرية للحفاظ على خصوصية البيانات وسريتها.
يبقى العامل البشري هو الأقوى في ظل هذا المشهد المتطور، خاصة في بيئة تتحكم بها “التوكنز” التي تعمد الشركات إلى استهلاكها بشكل متزايد. مستقبل الوظائف غير مؤكد، لكن تكلفة تشغيل الذكاء الاصطناعي تشكل تحديًا كبيرًا.

