تُعدّ القوات العسكرية الأميركية في أوروبا ركيزة أساسية للأمن الغربي منذ عقود. وفي تطور لافت، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مؤخرًا عن خطط لسحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا، وهي خطوة تُشكل أكبر انسحاب للقوات الأميركية من القارة الأوروبية حتى الآن. يأتي هذا القرار وسط تقارير عن خلافات بين المسؤولين الأميركيين والألمان، ويعزز النقاش حول مستقبل الوجود العسكري الأميركي في أوروبا وأبعاده الاستراتيجية.
ماذا نعرف عن الوجود العسكري الأميركي في أوروبا؟
وفقًا لمركز بيانات القوى العاملة التابع لوزارة الحرب الأميركية، فإن حوالي 68,000 جندي أميركي في الخدمة الفعلية متمركزون بشكل دائم في القواعد الأميركية خارج البلاد في أوروبا منذ ديسمبر 2025. هذه الأرقام لا تشمل القوات التي تُنشر بشكل دوري لأداء مهام مؤقتة أو للمشاركة في تدريبات عسكرية مشتركة. ويشير تقرير صادر عن الكونغرس إلى أن الجيش الأميركي يتمركز في 31 قاعدة دائمة و19 موقعًا عسكريًا آخر يمكن لوزارة الحرب الأميركية الوصول إليها، وذلك اعتبارًا من مارس 2024.
تُشرف القيادة الأوروبية الأميركية على العمليات العسكرية الأميركية في مختلف أنحاء أوروبا، وتعمل على تنسيق الجهود مع الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) من خلال ست قيادات رئيسية. تشمل هذه القيادات القوات البرية، البحرية، الجوية، مشاة البحرية، قوات العمليات الخاصة، بالإضافة إلى قوة الفضاء التي تم تأسيسها مؤخرًا. تتركز مقرات هذه القيادات الرئيسية في ألمانيا وإيطاليا، وتتولى مهام الاستجابة للأزمات وتعزيز التعاون الأمني في أوروبا وأفريقيا.
تتوزع القوات الأميركية حاليًا على أكثر من 12 دولة أوروبية، حيث تضم ألمانيا، إيطاليا، وبريطانيا أكبر تجمعات للقوات. تُعد ألمانيا، على وجه الخصوص، مقرًا لأكبر قاعدة عسكرية أميركية في أوروبا، وهي قاعدة “رامشتاين” الجوية الواقعة بالقرب من مدينة رامشتاين، والتي تستضيف القوات منذ عام 1952. كما تُعتبر حامية الجيش الأميركي في بافاريا، التي تتخذ من جرافنفور مقرًا لها، مركزًا تدريبيًا رئيسيًا للقوات في أوروبا. وقد بلغ عدد الجنود الأميركيين في الخدمة الفعلية في ألمانيا 36,436 جنديًا في ديسمبر 2025، موزعين على خمس حاميات.
تستضيف إيطاليا أفراد الجيش الأميركي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويشمل الوجود العسكري فرقًا من مختلف فروع الجيش. ووفقًا للبيانات، استضافت إيطاليا 12,662 جنديًا في الخدمة الفعلية في نهاية عام 2025، موزعين على قواعد في فيتشنسا، أفيانو، نابولي، وصقلية. أما في المملكة المتحدة، فقد بلغ عدد القوات الأميركية 10,156 جنديًا في ديسمبر 2025، وتتمركز هذه القوات بشكل أساسي في ثلاث قواعد، وتضم غالبًا عناصر من القوات الجوية.
إلى جانب هذه الدول، تستضيف إسبانيا قواعد أميركية للبحرية والقوات الجوية بالقرب من مضيق جبل طارق، حيث تم نشر 3,814 فردًا بشكل دائم في ديسمبر 2025. كما تستضيف بولندا 369 فردًا في الخدمة الفعلية متمركزين بشكل دائم، بالإضافة إلى ما يقرب من 10,000 فرد من القوات الدورية الممولة ضمن إطار مبادرة الردع الأوروبية. وتتمركز هذه القوات في أربع قواعد تتيح للولايات المتحدة الدخول إليها بشكل مؤقت.
في رومانيا، تتواجد قوات أميركية بشكل تناوبي إلى جانب 153 فردًا في الخدمة الفعلية متمركزين بشكل دائم، وتشمل القواعد التي تستخدمها الولايات المتحدة قاعدة “ميخائيل كوجالنيتشيانو” الجوية، و”كامبيا تورزي”، و”ديفيسيلو”. أما المجر، فتجري فيها عمليات نشر دورية ومهام تدريبية، واستضافت البلاد 77 فردًا متمركزين بشكل دائم في قاعدتَين هما “كيشكيميت” وقاعدة “بابا” الجوية في ديسمبر 2025.
يهدف الوجود العسكري الأميركي في أوروبا، والذي يعود إلى حقبة الحرب الباردة، إلى ضمان الاستقرار الإقليمي، وتقديم الدعم لدول حلف الناتو، ومواجهة التهديدات المحتملة. وتُعتبر ألمانيا، على وجه الخصوص، مركزًا لوجستيًا واستراتيجيًا حيويًا للعمليات الأميركية في القارة. ومع ذلك، فإن قرار سحب جزء من هذه القوات يأتي في سياق توترات جيوسياسية متزايدة، ويثير تساؤلات حول تأثير ذلك على توازن القوى في أوروبا واستراتيجية الردع الأميركية.
يبقى من غير الواضح ما إذا كانت هذه الخطوة ستكون بداية لانسحاب أوسع للقوات الأميركية من أوروبا، أو ما إذا كانت مجرد عملية إعادة انتشار أو تعديل استراتيجي. سيتطلب الأمر متابعة دقيقة للتطورات المستقبلية، والتحليلات الاستراتيجية، وردود الفعل من قبل دول حلف الناتو، لفهم الأبعاد الكاملة لهذه التغييرات وتأثيرها على مستقبل الأمن الأوروبي.

